الرئيسية

 

 

غايات الأدب وأهدافه

 

 

إعداد : أ.د. إسماعيل محمود

 

 

 

 

الهدف العام من المحاضرة:

-        تحبيب أبنائنا من الطلاب والطالبات في الإبداع الأدبي.

-        عرض نماذج شعرية لغايات الإبداع الأدبي.

 

 

 

 

 

    الحديث عن غايات الأدب وأهدافه ليس سهلا؛ لأنه يمثل ميدانا للاختلاف بين الدارسين على حسب قناعاتهم وتصورهم لعلاقة الأدب بالحياة.

-        وهناك فريق ينظر إلى الأدب بوصفه مرآة للواقع ونقلا أمينا لما يجري فيه.

-        وآخرون ينظرون إلى الأدب بوصفه وسيلة لتحقيق المتعة.

و إنني بدوري أقف موقفا وسطا بين هؤلاء وأولئك، وانظر للأدب على أنه مصدر للمتعة ولا يفتقد إلى تقديم رسالة نافعة في الوقت ذاته.

    ولنا في القرآن الكريم الأسوة الحسنة؛ فهو خير مثال على تحقيق المتعة الجمالية والفنية للسامع والقارئ إلى جانب الرسالة والمضمون الذي تحمله الآيات القرآنية.

 

 

هذه مقدمة واجبة أردت إثباتها قبل أن أسوق النماذج التطبيقية على بعض غايات الأدب.

 

 

 

 

·       الغاية الأولى: تحقبق المتعة للقارئ والسامع من جمال النص، واللذة التي يحسها ويعيشها من يسمع النص أو يقرؤه لا تعادلها لذة، ولننظر إلى بشار وهو يخاطب جاريته عن طريق الشعر:

 ( رَبَابَةُ   رَبَّةُ   البيتِ ... تَصُبُّ الخلَّ في الزَّيتِ )

 ( لها عَشْرُ دَجَاجَاتٍ ... ودِيكٌ حَسَنُ الصّوتِ )

ومنه قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

بَرَزَ الثَعلَبُ يَوماً 
                  
في شِعارِ الواعِظينا
فَمَشى في الأَرضِ يَهدي 
                  
وَيَسُبُّ    الماكِرينا
وَيَقولُ الحَمدُ لِلـ 
ـ                   ـهِ  إِلَهِ العالَمينا
يا عِبادَ اللَهِ توبوا 
                  
فَهوَ كَهفُ التائِبينا
وَاِزهَدوا في الطَيرِ إِنَّ ال 
                  
عَيشَ عَيشُ الزاهِدينا
وَاطلُبوا الديكَ يُؤَذِّن 
                  
لِصَلاةِ الصُبحِ فينا
فَأَتى الديكَ رَسولٌ 
                  
مِن إِمامِ الناسِكينا
عَرَضَ الأَمرَ عَلَيهِ 
                  
وَهوَ يَرجو أَن يَلينا
فَأَجابَ الديكُ عُذراً 
                  
يا أَضَلَّ المُهتَدينا
بَلِّغِ الثَعلَبَ عَنّي 
                  
عَن جدودي الصالِحينا
عَن ذَوي التيجانِ مِمَّن 
                  
دَخَلَ  البَطنَ   اللَعينا
أَنَّهُم قالوا وَخَيرُ ال 
                  
قَولِ  قَولُ   العارِفينا
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَوماً 
                  
أَنَّ    لِلثَعلَبِ     دينا 

·      الغاية الثانية: السمو بالنفس الإنسانية وتكريمها وتهذيبها، ومنه قول إيليا أبي ماض:

-      والذي  نفسه  بغير  جمال .... لا يرى في الحياة شيئا جميلا

-      فتمتع بالصبح ما دمت فيه ... لا تخف ان يزول حتى يزولا

-      ايهذا الشاكي وما بك داءٌ ....كن جميلا ترى الوجود جميلا

ومن الأمثلة على تهذيب النفس الإنسانية والارتقاء بها قول الحطيئة:

     مَنْ يَفعِل الخيرَ لاَ يعدَمْ جَوَازِيَه ... لا يَذْهَبُ العُرفُ بينَ اللهِ والنّاسِ

ومنه قول

    لا يعرف  الفضل  لأهل  الفضل ... إلا أولو الفضل من أهل العقل

    هيهات يدري الفضل من ليس له ... فضل، ولو كان من أهل النبل

الغاية الثالثة: نقل التجارب الإنسانية وتقديمها في صورة الحكمة أو السنن الكونية الثابتة؛ وكأنها من المسلمات، ومنه قول بشار بن برد:

- إِذا بلغَ الرأيُ المشورةَ فاستعنْ ... يعزمِ نصيحٍ أو مشورةِ حازمِ

 - ولا تحسبِ الشُّورى عليكَ غضاضةً ... فإِن الخوافي قوةٌ للقوادمِ

 - وما خيرُ كفٍ أمسكَ الغلُّ أختَها ... وما خيرُ سيفٍ لم يؤيدْ بقائمِ

 - وخلِّ الهوينى للضعيفِ ولا تكنْ ... نؤوماً فإِن الحُرَّ ليس بنائمِ

 - وأدْنِ إِلى القربِ المقرَّب نفسَه ... ولا تُشْهِدِ النجوى امرأً غيرَ كلتمِ

 - فإِنكَ لا تستطردُ الغمَّ بالمنى ... ولا تبلغِ العَليا بغيرِ المكارمِ

ومنه قول ابن الرومي:

    عدوُّكَ من صديقك مستفادٌ       فلا تستكثرنَّ من الصِّحابَ

   إذا انقلبَ الصديقُ غدا عدواً       مُبيناً والأمورُ إلى انقلابِ

ومنه قول حافظ إبراهيم:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها       أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الغاية الثالثة: نقل التجارب الإنسانية وصبها في قالب مؤثر ومنها رثاء محمد بن عبد الملك الزيات لزوجته وبيان حال ابنه، يقول:

ألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران

رأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان

وبات وحيداً في الفراش تحثه ... بلابل قلب دائم الخفقان

فلا تلحياني إن بكيت؛ فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان

فهبني عزمت الصبر عنها لأنني ... جليد، فمن بالصبر لابن ثمان؟؟

ومنه قول الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهدتها دُولٌ

مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان

يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ

إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ

وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ

كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان

ومنه قول أبي الفتح البستي:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسانُ

الغاية الرابعة: نقل الحالات النفسية الصعبة التي عاشها المبدعون للآخرين من أجل التأسي والتسلي، ومنه قول ابن عباد الأندلسي:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا = وكان عيدك باللذات معمورا
وكنتَ تحسبُ أن العيد مسعدةٌ = فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتِك في الأطمار  جائعةً = في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ  بعيد   العزّ   ممتهنٌ = يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

لما نَكَب أبو الحسن بن الفُرات أبا عليّ بن مُقْلة كتب إلي محمد بن إسماعيل الكاتب صاحبه وصديقه يقول معاتبا وقد جفا هذا الصديق تغير:

تُرَى حُرمتْ كُتْبُ الأخلأء بينهم         أبِنْ لِي، أم القِرطاسُ أصبحَ غاليا

فماكان لوساءلتنا كيف حالُنا         وقد دَهَمَتْنَا نَكْبة هي ما هيا

صديقُك مَن راعاك عند شديدة         وكل تراه في الرخاء مُراعِيَاَ

فهَبْكَ عدوي لا صديقي فإنني         رأيت الأعادي يرحَمون الأعاديا

الغاية الخامسة: تنمية القيم الدينية وغرسها في الأجيال المتعاقبة: ومنها أشعار الزهد والاستغفار والتصوف، ويمكن أن نستشهد بأبيات أبي العتاهية في الحض على التوبة والاستغفار يقول:

( خانَك الطَّرْفُ الطَّمُوحُ ... أيُّها القَلبُ الجَمُوحُ )

 ( لِدَوَاعِي الخَيْرِ والشّرِّ ... دُنُوٌّ ونُزُوحُ )

 ( هلْ لمطلوبٍ بِذَنْبٍ ... توبةٌ منه نصُوحُ )

 ( كيف إصلاحُ قُلُوبٍ ... إنّما هُنَّ قُروحُ )

 ( أَحْسَنَ اللهُ بنا أَنَّ ... الخَطَايَا لا تَفُوحُ )

 ( فإذَا المستورُ مِنَّا ... بينَ ثَوْبَيْهِ نَضُوحُ )

 ( كَمْ رأينا مِنْ عَزِيزٍ ... طُوِيتْ عنه الكشُوحُ )

 ( صاحَ منه بِرَحِيلٍ ... صائحُ الدَّهْرِ الصَّدُوحُ )

 ( موتُ بعضِ الناسِ في الأرْضِ ... على قومٍ فُتُوحُ )

ومنه قول أبي نواس في التوبة والاستغفار:

أَيا مَن لَيسَ لي مِنهُ مُجيرُ       بِعَفوِكَ مِن عَذابِكَ أَستَجيرُ

أَنا العَبدُ المُقِرُّ بِكُلِّ ذَنبٍ       وَأَنتَ السَيِّدُ المَولى الغَفورُ

فَإِن عَذَّبتَني فَبِسوءِ فِعلي       وَإِن تَغفِر فَأَنتَ بِهِ جَديرُ

أفِرّ إليكَ منكَ ، وأين ، إلا ** إليكَ يفرّ منْكَ المسْتجيرُ

الغاية السادسة: زرع القيم الوطنية وتحقيق الشعور بالانتماء والهوية العربية، ومن أمثلته قول الشاعر:

وَلي  وطنٌ  آليتُ   أَلاَّ   أَبيعَهُ ... بشئٍ ولا أَلقى لهُ الدهرَ مالِكا

عَهِدتُ به شرخَ الشبابِ ونِعمةً ... كَنعمةِ قوْمٍ أصبحوا في ظِلالِكا

وقَد  ألِفتْهُ  النفسُ حتى  كأنهُ ... لها جسدٌ إن غابَ غودِرْتُ هالكا

وحبَّبَ أوطانَ  الرِجالِ إليهمُ ... مَآربُ قضَّاها الشبابُ هنالِكا

إذا ذَكروا أَوطانَهم  ذكَّرَتْهُمُ .... عُهودَ الصِبا فيها فحنّوا لِذَلِكَا

ومنه قول المتنبي أو أبي فراس في رأي البعض:

     بلادي وإن جارت عليّ عزيـزة وأهلي وإن ضنّـوا عليّ كرام 

الغاية السابعة: تحقيق المصالحة بين واقع الإنسان الذي يعيشه وآماله التي يسعى إلى تحقيقها، فأصحاب التعب والفشل يجدون في التجارب الفنية الخيالية راحة لهم تعوضهم عن فشلهم.

نهر الخالد / كلمات : محمود حسن اسماعيل (1954)

مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال

ظمآن والكأس في يديه والحب والفن والجمال

شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال

ولم يزل ينشد الديارا ويسأل الليل والنهارا

والناس في حبه سكارى هاموا على أفقه الرحيب

آه علي سرك الرهيب وموجك التائه الغريب

يا نيل يا ساحر الغيوب

يا واهب الخلد للزمان يا ساقي الحب والأغاني

هات اسقني ودعني أهيم كالطير في الجنان

يا لينتي موجة فأحكي إلى لياليك ما شجاني

وأغتدي للرياح جارا وأحمل النور للحياري

فإن كواني الهوى وطارا كانت رياح الدجى نصيبي

آه على سرك الرهيب وموجك التائه الغريب

يا نيل يا ساحر الغيوب

سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل

يسبح الطير أم يغني ويشرح الحب للخميل

وأغصن تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل

وزورق بالحنين سارا أم هذه فرحة العذارى

يجري وتجري هناك نارا حملت من سحرها نصيبي

آه علي سرك الرهيب وموجك التائه الغريب

يا نيل يا ساحر

 

سَأعيشُ  رَغْـمَ  الـدَّاءِ  والأَعـداءِ ** كالنَّسْـر  فـوقَ  القِمَّـةِ  الشَّمَّـاءِ([1])
أرْنُو إلى الشَّمْسِ  المُضِيئةِ  هازِئـاً ** بالسُّحْـبِ   والأَمطـارِ  والأَنـواءِ([2])
لا  أرْمقُ الظِّلَّ  الكئيـبَ ولا أرَى ** مَا  فـي  قَـرارِ  الهُـوَّةِ   السَّـوداءِ([3])
وأَسيرُ  في  دُنيا  المَشَاعـرِ حالِمـاً ** غَرِداً  وتلـكَ  سَعـادةُ   الشعَـراءِ([4])
أُصْغي  لمُوسيقى الحَياةِ  وَوَحْيِهـا ** وأذيبُ روحَ الكَوْنِ فـي  إنْشَائـي([5])
وأُصيخُ  للصَّوتِ  الإِلهـيِّ   الَّـذي ** يُحْيـي  بقلبـي   مَيِّـتَ   الأَصْـداءِ([6])
وأقـولُ  للقَـدَرِ الَّـذي  لا   ينثنـي ** عَنْ  حَـرْبِ  آمالـي بكـلِّ   بَـلاءِ([7])
لا   يُطْفِئُ   اللَّهبَ   المؤجَّجَ    في     دمـي** موجُ     الأسى       وعواصـفُ     الأَزراءِ

      وتبقى غايات الأدب وأهدافه بحاجة إلى عناية المهتمين، ويبقى الأدب فنا من الفنون الأصيلة التي ترتقي بالإنسان.



([1]) الشماء: المرتفعة العالية.

([2]) أرنو: أنظر وأتأمل بشغف وحبٍّ، ساخرا: غير معتد ومتهكما في تعال، الأنـواء: جمع ومفردها ( نوء): وهو الحمل الثقيل أو الرياح العاتية المزلزلة.

([3]) أرمق: أنظر نظرة الكاره لعدوه – الظل الكئيب: الظل المهموم الزين، قرار: مستقر الشيء وأصله، والهوة: المنخفض السحيق، السوداء : المظلمة.

([4]) حالما: متأملا ومتدبرا= حاسا بالراحة، غردا: رافعا صوته بالغناء.

([5]) أصغي: أسـتمع وأستمع بعناية واهتمام، موسيقى الحياة: المراد: مظاهر الجمال في الكون، ووحيها: رسولها، وإنشائي: المراد: شــعره وأفكاره التي يحملها هذا الشعر.

([6]) أصيخ: أسـتمع منصتا بكل جوارحي، وأصداء: جمع ومفرده (صدى): وهو رجع الصوت وترديده مرة بعد مرة

([7]) لا ينثني: لا يتوقف، البلاء: القوة.

الساعات المكتبية

الساعات المكتبية

أعلان هام

إعلان هام

أرقام الاتصال

أرقام الاتصال

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 4

البحوث والمحاضرات: 0

الزيارات: 659