تدوين القرآن

 

 

 

تضافرت الأدلة الكثيرة التي توضح حفظ الله U لكتابه العزيز , قال تعالى  (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) : وقال تعالى :(وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد ) , فهذه الأدلة وغيرها تدل بصورة قاطعة على حفظ الله U لكتابه من التغيير والتبديل على امتداد الزمان, وأن الخلق لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، وقد هيأ الله الأسباب العظيمة التي من خلالها تحقق هذا الحفظ العظيم لكتابه العزيز, وذلك من خلال نوعين من أنواع الجمع تمَّا في عهد النبي r واستمرَّا إلى يومنا هذا؛ بل وزادت وسائل أخرى تعين على الحفظ له في عصرنا الحديث, وكل هذا الذي وقع هو مما قدره الله وأراده ليحفظ به كتابه, ولو أراد الله بدون هذه الأسباب لتم ذلك, ولكن أراد الله أن تجري سننه في الكون بربط الأسباب بمسبباتها, وأن يرفع الله درجات من يقومون بهذا العمل العظيم عبر التاريخ, وينالون شرف خدمة هذا الكتاب المجيد الذي يشرف بخدمته كل مسلم صدق في إيمانه, ومن هنا سوف يتم الكلام على نوعي الجمع اللذين تمَّا لكتابه منذ عهد النبي r إلى يومنا هذا دون انقطاع، وهما جمعه في الصدور وجمعه في السطور .

وجمع القرآن الكريم عند إطلاقه كمصطلح يراد به واحد من معنيين وهما :

الأول : جمعه بمعنى حفظه في الصدور  كما جاء ذلك في قوله تعالى : (إنا علينا جمعه وقرآنه ).

قال الزمخشري : أي : جمعه في صدرك وإثبات قراءته في لسانك.

والثاني : جمعه بمعنى كتابته

جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور :

أولا : حفظ النبي r  للقرآن  :

من أبرز خصائص القرآن الكريم أن يسره الله U للحفظ، والفهم، والعمل قال تعالى:(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)  ô وقد تكفل الله U لرسوله r منذ بداية الوحي أن ينزل عليه كتاباً ينقش على الصدور قبل السطور, كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله r قال : إن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم ، قلت إذن يثلقوا رأسي حتى يدعوه خبزا، فقَالَ: ( إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ) وفي هذا إشارة إلى أنَّ حفظه لا يعتمد فقط على كتابته وتدوينه على ألواح  وصحف يمكن أن تُغسل بالماء فيزول ما فيها.

ومن هنا كان النبي r أوَّل من جمع القرآن الكريم في صدره, وذلك وفق عناية إلهية خاصَّة, تظهر بصورة واضحة من خلال مدارسة جبريل معه القرآن الكريم, والعرض الذي كان يتم بينهما هو صورة من صور الإجازة التي تتم اليوم لحملة كتاب الله U , ولا يعتبر الإنسان حافظاً متقناً إلا إذا تلقاه عن شيخ  متقن، وعرض عليه ما عنده من قرآن، وأجازه على ذلك.

حفظ الصحابة ومن بعدهم للقرآن الكريم :

أقبل أصحاب النبي r على تعلم القرآن الكريم حفظاً, وفهماً, وعملاً, بصورة يندر لها مثيل, ومما دفعهم على حفظه, والإقبال عليه بصورة خاصة؛ تشجيع النبي r لهم على ذلك، ولا شك أن الحفظ المتين من أعلى مقامات التعلم, وهو لا يتحقق إلا من خلال تلاوة صحيحة، وفهم سليم, وارتباط بالقرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً, ولذا نجد حفاظ القرآن هم أكثر الناس تلاوة له, وذلك لأنه يحتاج إلى معاهدة مستمرة كما أخبر بذلك النبيr .

ثانياً: من خلال سنته العملية التي تشير بصورة واضحة إلى منزلة ومكانة أهل القرآن العالية عند الله U ؛ إذ كان النبي r يفاضل بين الصحابة أحياءً وأمواتاً بما معهم من  قرآن, كما فعل بشهداء أحد, وبتقدمه لإمامة الصلاة التي هي من أعظم العبادات دلالة على فضله ومكانته.

وقد زوج النبي r  الرجل الذي ليس عنده مهر بما معه من قرآن تشجيعاً لهم على الحفظ، فدلَّ على فضل القراءة عن ظهر قلب لأنَّها أمكن في التوصُّل إلى التعليم.

ولذا تنافس الصحابة على حفظه، وتلاوته، وفهمه, تاركين لذيذ النوم, وهاجرين دفئ الفراش, وهجيع الليل, للقيام بتلاوته, والتدبر لمعانيه التي هي أعظم ما يستمتع به أهل الإيمان في ليلهم، ولذا كان يسمع لبيوتهم دويَّاً كدويّ النحل من تلاوة القرآن، والقيام به في الليل, وقد كان النبي r يستمع إلى هذه الأصوات العذبة المنبعثة بين هذه البيوت المباركة وقلبه منشرح بذلك, مشجعاً لهم على ما يسمع ويرى،كما قال لأبي موسى الأشعري t .

ولكن هنالك أسباب أخرى غير تشجيع النبي r لهم ساعدت على إقبال الصحابة على حفظ القرآن الكريم منها:

غلبة الأميَّة, وعدم توفر وسائل الكتابة, والكُتَّاب، قوة الحفظ التي تميَّزوا بها, وهي نتيجة العروبة الخالصة المعروفة بهذا التميز، ومنزلة القرآن العظيمة في نفوسهم, جعلتهم يقبلون عليه بهمة لا تعرف التراخي وغيرها من أسباب. ومن هنا فقد حفظ القرآن الكريم عدد كبير من أصحاب النبي r في حياته وبعد مماته .

وقد تلقَّى التابعون القرآن عن أصحاب النبي r حفظاً وفهماً , خاصة من أولئك الذين تفرغوا لتدريسه كابن عباس , وابن مسعود , وزيد بن ثابت , وأبي بن كعب , وغيرهم.

لذا استمر حفظ القرآن وجمعه في الصدور في هذه الأمة منذ تلك القرون المفضلة إلى يومنا هذا بسند متصل جيلاً عن جيلٍ لم ينقطع في فترة من تاريخها الطويل .

جمع القرآن بمعنى حفظه في السطور :

كما اهتم النبي r بتشجيع الصحابة على حفظ القرآن في الصدور اهتم كذلك بحفظه في السطور, وقد مرَّ جمع القرآن في السطور بثلاث مراحل مهمة في تاريخه وهي :

المرحلة الأولى : في عهد النبي r .

المرحلة الثانية : في عهد أبي بكر الصديق t .

المرحلة الثالثة : في عهد عثمان t .

وقد تميزت كل مرحلة بميزات سوف يأتي الحديث عنها بإذن الله U :

أولا : جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد النبي r :

أ-كُتَّاب الوحي :

   اهتم النبي r منذ بداية الوحي ـ على الرغم من قلة الكتّاب, وعدم توفر وسائل الكتابة ـ بكتابة القرآن الكريم وذلك من خلال اتخاذه عدداً من كُتَّاب الوحي مع الإذن للمسلمين بكتابته لأنفسهم ، كما قال r لأصحابه: ( لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ).

   ومن أبرز كتاب الوحي للنبي r , الخلفاء الأربعة, وعبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي، وهو أول من كتب له الوحي بمكة, وأبي بن كعب الأنصاري الخزرجي، وهو أول من كتب للنبي r عند قدومه المدينة،  وزيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، وهو أكثر الكتاب ملازمة للنبي r , ومعاوية بن أبي سفيان القرشي، طلب أبوه من النبي r في فتح مكة أن يجعله كاتباً بين يديه فكان بعد ذلك ملازماً للكتابة بين يدي النبي r , والزبير بن العوام, وعمرو بن العاص, وحنظلة بن الربيع، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وعبد الله بن رواحة، وآخرين.

ب-وسائل الكتابة :

لم تكن وسائل الكتابة ميسَّرة في عهد النبي r بل كانوا يكتبون على وسائل بدائية توفرت لديهم على حسب الحال ؛ والتي منها :

الرِّقاع : جمع رقعة , وهي القطعة التي تكون من جلد أو قماش أو ورق .

والعُسُب : جمع عسيب , وهو طرف الجريد العريض بعد أن يكشطون الخوص يكتبون عليه .

واللِّخاف : جمع لَخْفَة , بفتح فسكون , وهي الحجارة الرقيقة .

والأقتاب : جمع قتب , وهو قطع الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه .

والأكتاف : جمع كتف , وهي العظام العريضة من أكتاف الحيوان كالإبل والبقر . وغير ذلك من وسائل توفرت لهم .

ج - مميزات جمع القرآن في عهد النبي r :

تميز الجمع الذي تم في عهد النبي r بعدة مميزات أبرزها ما يلي :

1- كانت كتابته بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، كما قال النبي r:  ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) ؛ لأنه كتب كما أنزل .

2- كتب وجمع تحت رعاية إلهية , إذ لو كان في هذه الكتابة أدنى ملاحظة , لأخبر الوحي النبي r , وذلك لأن الكتابة كانت الأساس لكل جمع جاء بعده ، وهي صورة من صور حفظ القرآن الكريم التي قدرها الله U .

3- كان مشتملا على بعض الآيات التي نسخت تلاوة، لأنها ظلت مكتوبة ولم تخرج من المكتوب حتى توفي النبي r , ولكن الصحابة كانوا يعلمون  بنسخها قطعاً , فعن عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: (( كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ  رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ )) , ثُمَّ نُسِخْنَ (( بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ )) , فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ r وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ )).

4- أجمع العلماء على أنه مرتب الآيات , واختلفوا في ترتيب السور .

5- لم يكن القرآن الكريم قد جمع في مصحف واحد , وإنما كان مكتوباً لكن مفرقاً على الرقاع , والعسب ، والأقتاب ، ونحوها , ولهذا قال زيد بن ثابت عن الجمع الذي تم في عهد أبي بكر الصديق : (( فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُب وَاللِّخَافِ , وَصُدُورِ   الرِّجَال )).

د -أسباب عدم جمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبيr :

هنالك عدة أسباب أدت إلى عدم جمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي r منها:

1- الأمن من ذهاب شيء من القرآن الكريم, والنبي r موجود, والصحابة كانوا إذا اختلفوا في شئ رجعوا إلى النبي r لا إلى المكتوب, إذ هو المرجع الأوَّل بالنسبة لهم في حياته، وقد أمنه الله من النسيان، قال تعالى : â y7èÍø)ãZy™ Ÿxsù #Ó|¤Ys? ÇÏÈ ž) $tB !$x© ª!$# á.

2- ما كان يترقبه النبي r من ورود ناسخ لبعض الآيات, إذ التشريع لم يكن قد اكتمل.

3- لأن ترتيب نزول القرآن لم يكن على ما هو عليه اليوم في المصاحف, وما استقر عليه القرآن في العرضة الأخيرة, مما كان يضطرهم إلى تغييره كلما نزل شئ جديد, ولم يكن هذا بالإمكان لعدم توفر وسائل الكتابة, ومشقتها على تلك الوسائل البدائية .

4- قصر الفترة بين اكتمال نزول القرآن ووفاة النبي r , وهي لم تتجاوز تسع ليالٍ  فقط, وهي مدة لا تكفي لجمع القرآن الكريم .

5- توفر عدد كبير من حملة القرآن وكتّابه، بصورة لا يخشى معها ذهاب شيء من القرآن الكريم .

ولذا عندما اشتد القتل بالقراء في معركة اليمامة , وفقد العدد الكبير من حملة القرآن , أمر الصديق زيد بن ثابت بجمع القرآن في مصحف ؛ يكون مرجعاً للأمَّة في مستقبل أيَّامها , وذلك خوفاً من ذهاب شيء من القرآن . فلمَّا اكتمل نزول الوحي , وانتهى أمر النسخ , وتوفي النبي r , واشتد القتل بالقراء  ,  ألهم الله تعالى عمر ،  ومن بعده أبي بكر y على جمعه في  مصحف واحد .

جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق  t :

 أ- أسباب الجمع :

تولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة النبي r أبو بكر الصديق t , وقد واجهته فتنة عظيمة , من أبرزها ارتداد بعض القبائل العربية عن الإسلام , وامتناع بعضها عن أداء الزكاة , مما دعا الصديق t إلى أن يحزم أمره , ويجرد جيوشه لمقاتلة المرتدين ,والمانعين.

وكان قوام هذه الجيوش أصحاب النبي r ، ومن أبرزهم حملة القرآن الكريم , وقد اشتد القتل بالمسلمين في معركة اليمامة, وقتل الكثير من الصحابة، ومن حملة القرآن؛ وذلك لشراسة المعركة, وكثرة المرتدين حتى قيل أن الذين قتلوا خمسمائة، وقيل سبعمائة, وقيل أكثر، فخشي الفاروق عمرt أن يشتد القتل بالقرَّاء في المواضع الأخرى فيضيع شيء من القرآن بمقتل حملته في المعارك, إذ العلم يقبض بقبض أهله, ولذا جاء إلى الصديق t وحثَّه على جمع القرآن في مكان واحد، على مصحف إمام, بدلاً من العسب, والرقاع, واللخاف, ونحوها. فتردد الصديق في بداية الأمر؛ خوفاً من إحداث شيء في الدين لم يفعله رسول الله r ؛ وذلك لشدة حرصه على الاتِّباع, وخوفه من الابتداع، ولكن مراجعة عمر المتكررة له جعلته يطمئن إلى ما اطمأن إليه عمر؛ في أنَّ جمعه في مصحف ليس عملاً محدثاً, وإنَّما هو امتداد لما سنَّه النبي r ، كما أنَّه محقِّق لمصالح عظيمة دعت الحاجة إليها لحفظ القرآن الكريم من الضياع , وقد ورد في صحيح البخاري ما يوضح كل ذلك في رواية زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ t قَالَ: ((  أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ عند مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ , قَالَ أَبُو بَكْرٍ t : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي , فَقَال : إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآن ِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآن ِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ . قُلْتُ لِعُمَرَ : كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ قَالَ عُمَرُ : هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ . فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ , وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ , عَاقِلٌ ، لا نَتَّهِمُكَ ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ r , فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ . قُلْتُ : كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ قَالَ : هُوَ وَاللَّهِ خَيْر. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ y فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُب وَاللِّخَافِ , وَصُدُورِ الرِّجَال حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ, لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ , â ô‰s)s9 öNà2!%y` ×Aqߙu‘ ô`ÏiB öNà6Å¡àÿRr& ͕ Ïmø‹n= $tB óOšGÏYtã á حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ,  ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ , ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ y ))

ومن هنا يظهر لنا أن من أسباب الجمع الأساسية الذي تمَّ في عهد أبي بكر الصديق t كان هو :

أولاً:  الخوف من ذهاب شيء من القرآن الكريم بموت حملته .

ثانياً : أنَّهم كانوا يريدون جمعاً للقرآن الكريم؛ يتم بحضور جمهور الصحابة , وينعقد الإجماع عليه , على أنَّه هو القرآن الذي أنزل على محمد r دون زيادة أو نقصان .

وذلك سدَّاً لباب الفتنة؛ التي ربَّما كانت تقع فيما بعد؛ لو لم يقدَّر الله هذا العمل العظيم؛ الذي تمَّ بعد معركة اليمامة في السنة الثانية عشر للهجرة .

ب-منهج الجمع الذي تمَّ في عهد أبي بكر الصديق t :

قام الجمع الذي تمَّ في عهد أبي بكر الصديق  t ؛ والذي تولاه زيد بن ثابت بمعاونة عمر ابن الخطاب ، وإشراف أبي بكر الصديق رضي الله عنهم , على وفق أسس دقيقة .

لأنَّ الغرض من هذا الجمع لم يكن كتابة القرآن فقط ,  وإنَّما هو الإجماع على قرآن مكتوب يكون إماماً للناس إذا اختلفوا في شيء منه ؛ وذلك لأنَّ القرآن كان مكتوباً في بيت النبي r , وعدد من الصحابة , ومحفوظاً في صدور الكثيرين منهم , وفي مقدمتهم أبو بكر، وعمر، وزيد رضي الله عنهم ، ولكن الفائدة الأولى من هذا الجمع كانت هي التوثيق , والتدقيق , والوقوف على كل ما كتب بين يديّ رسول الله r , ومطابقة ذلك لما هو في صدور أصحاب النبي r .

وقد قام هذا الجمع الذي اعتمد فيه على المكتوب , والمحفوظ , على ثلاثة أسس ثابتة ، تدل على متانته ، ودقته , وهي :

1- لا يأخذون شيئاً من المحفوظ في الصدور ؛ إلا إذا تلقَّاه الصحابي من فم النبي r مباشرة , دون واسطة .

2- لا يعتمدون على شيء من المكتوب من القرآن الكريم ؛ إلا إذا كان قد كُتِبَ بين يديِّ النبي r ؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب للصحابة رضي الله عنهم: (( مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ)), وقال زيد : (( فَتَتَبَّعْت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ  الرِّقَاعِ ، وَالْعُسُبِ ، وَاللِّخَاف ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ ))

3- لابد لمن تلقَّى شيئاً كتابةً, أو حفظاً من رسول اللهr  أن يشهد له شاهدان ، كما قال أبو بكر لزيد وعمر رضي الله عنهم : (( اُقْعُدَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ , فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ   فَاكْتُبَاهُ )).

ج- مميزات جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق t :

1-  اقتصر في هذا الجمع على ما لم تنسخ تلاوته من الآيات .

2- كان على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ؛ لأنَّ مهمة الصديق كانت منحصرة في التحقق من عين ما كتب بين يديّ رسول اللهr , وجمعه في مكان واحد خشية الضياع .

3- كان مرتَّب الآيات بالإجماع وفي ترتيب السور خلاف .

4- ظـفر هـذا الجمـع بإجمـاع الأمـة عليـه لأنَّه قـام على أدقَّ المعايير في

التثبُّت والتوثيق , وهذا يدل على مكانة هذا الجمع .

5- جمع في نسخة واحدة حفظت عند أبي بكر الصديق t

جمع القرآن بمعنى نسخه في عهد عثمان t :

أ- أسباب الجمع :

عاد الخلاف في عهد عثمان t ، وبصورة أشد وأوضح ، في داخل المدينة النبوية وفي خارجها , ففي داخل المدينة كان بعد ظهور جيل جديد لم يدرك تلك الحقبة المباركة ، فقد كان كل طالب من الصبيان في المدينة يعتز بقراءته التي تلقَّاها عن أحد من أصحاب النبي r, ويخطِّئ الآخر, وينكر عليه قراءته, فقام عثمان t فيهم خطيباً وقال: (( أنتم عندي تختلفون, فمن نأى عنِّي من الأمصار أشد اختلافاً , اجتمعوا يا أصحاب محمد , واكتبوا للناس إماماً)), ويرجع السبب خارج المدينة إلى انتشار الصحابة في هذه الأقاليم البعيدة نتيجة للتوسُّع الكبير للفتوحات الإسلامية في عهد عثمان t  يعلِّمون أهلها القرآن الكريم, وقد كان كل واحد منهم يعلِّم بالحرف الذي معه، فلذا كان عندما يلتقي أهل الأمصار يحصل بينهم النزاع الذي خشي عثمان t من وقوعه، وقد جاء حذيفة بما ظنَّه, وتخوَّف منه من شِدَّة اختلاف أهل الأمصار البعيدة؛ وذلك بعد عودته من غزوة إرمينية وأذربيجان مع الجيش الإسلامي المكوَّن جنوده من أهل الشام أصحاب أبي الدرداء  وأهل العراق أصحاب عبد الله بن مسعود , كما جاء ذلك في رواية أَنَسَ بْنَ مَالِك t  (( أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ؛ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ , فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ , فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ ؛ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ , ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْك ِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر ،ِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ  ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْش ؛ٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ؛ حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ, وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا , وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ ، أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ )).

فأفزع عثمان t ما رأى في المدينة , وما سمعه عن أخبار غيرها , فبادر بفكرة جمع الناس على حرف واحد , ومصحف إمام يتعلَّمون منه , ويدعون ما سواه ، و ذلك بإحراق كل صحيفةٍ ومصحفٍ غيره , و قد تمَّ ذلك بعد مشاورة كاملة لأصحاب النبي r ، وإجماعهم على رأيه , فعن علي بن أبي طالب t قال : (( اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان فجعل الرجل يقول للرجل : قراءتي خير من قراءتك , فبلغ ذلك   عثمان , فجمعنا أصحاب رسول الله r فقال : إنَّ الناس قد اختلفوا اليوم في القراءة , وأنتم بين ظهرانيهم , فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة , قال : فاجمع رأينا مع رأيه على ذلك , قال : وقال على : لو ولِّيت مثل الذي ولِّي , لصنعت مثل الذي صنع )).

فكان السبب لهذا الجمع هو قطع دابر الخلاف , وحسم مادة النزاع في قراءة القرآن الكريم ، بسبب اختلاف الأحرف السبعة ؛ وذلك بجمع الناس على حرف واحد ، ورسم واحد ، يجمع في مصحفٍ إمام ، يقرأ منه أهل كل مصر , ويحرق ماعداه من مصاحف وصحف .

ب - مميزات جمع القرآن في عهد عثمان :

تميَّز الجمع الذي تمَّ في عهد عثمان بعدة مميَّزات من أبرزها :

1- جمع القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة , قال ابن القيِّم رحمه الله : (( جمع عثمان الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة ؛ التي أطلق لهم الرسول r القراءة بها لما كان ذلك مصلحة )).

2-كتب بلغة قريش , ورسم برسم يحتمل لأوجه القراءات الصحيحة الثابتة عن النبي r.

3-كان مرتب الآيات والسور على الوجه المعروف اليوم في المصاحف دون خلاف .

4- نسخ القرآن في عدد من المصاحف .

5- جمع بهدف حمل الناس على القراءة من هذا النسخ ، وتحريق ما سواه من صحيفة, ومصحف ؛ كما جاء في رواية البخاري : (( وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا, وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ ، أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ ))

ج- الفرق بين جمع أبي بكر الصديق وجمع عثمان رضى الله عنهما:

اعتنى العلماء بالحديث عن الفرق بين الجمعين اللذين تمَّا في عهد أبي بكر وعثمان رضى الله عنهما, وذلك لإزالة اللبس الذي قد يقع , ولتوضيح مميزات كل جمع, ولذا يمكن تلخيص أهم هذه الفروق فيما يلي:

1- اختلاف الأسباب والدواعي لكل جمع . فسبب الجمع في عهد أبي بكر الصديق t كان الخوف من ذهاب شيء من القرآن الكريم بذهاب حَمَلته , وذلك بعد أن استحر القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة .

 أما في عهد عثمان t فكان السبب في جمعه الخوف على الأمة من الفتنة بسبب الاختلاف في أوجه قراءته نسبة لاختلاف الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم .

2- أهداف الجمع في عهد أبي بكر t كان جمع القرآن في مصحف واحد إمام يكون مرجعاً للأمة عند الاختلاف, وفي عهد عثمان t كان الهدف كتابة القرآن في عدد من المصاحف, وحمل الناس على القراءة والنسخ منها ، وإحراق ما عداها .

3- جمع أبي بكر الصديق t كان على الأحرف السبعة ، في حين أنَّ جمع عثمان t كان على حرف واحد من الأحرف السبعة .

4- جمع أبي بكر t اتفق العلماء على أنَّه كان مرتب الآيات , واختلفوا في ترتيب السور , أما جمع عثمان t فقد اتفق العلماء على أنه كان مرتب الآيات والسور على ما هو عليه الحال اليوم في المصاحف .

5- جمع أبي بكر كان في مصحف واحد، وأمَّا جمع عثمان كان في عدد من المصاحف .

6- أسس الجمع الذي تمَّ في عهد أبي بكر t تختلف عن أسس الجمع الذي تم في عهد عثمان  ، مما جعل لكل جمع خصائص ومميَّزات مختلفة .

الساعات المكتبية

الساعات المكتبية

أعلان هام

إعلان هام

أرقام الاتصال

أرقام الاتصال

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 20

البحوث والمحاضرات: 71

الزيارات: 84555