التفسير الموضوعي2

هذه الصفحة مخصصة لمادة التفسير الموضوعي2

المحاضرة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم

التفسير الموضوعي


تعريفه: هو بيان مراد الله- تعالى- بقدر الطاقة البشرية- في موضوع معين من موضوعات القرآن الكريم، عن طريق جمع الآيات الخاصة به، ودراستها وفق منهج خاص، يبرز لنا هدف هذا الموضوع وأبعاده، ويبين غنى الإسلام تماما عن كل منهج سواه، ويوضح أن السعادة كل السعادة في اتباع المنهج الإلهي، والشقاء كل الشقاء فى الإعراض عنه.

منهج الدراسة فى التفسير الموضوعي:
تتمثل أبرز نقاط هذا المنهج فى الخطوات الآتية:
1 - اختيار الموضوع القرآنى المراد دراسته دراسة موضوعية، ووضع اسم خاص له.
2 - حصر آيات هذا الموضوع مكيها
ومدنيها، وعدم ترك آية منه، فقد تمثل تلك الآية الحكم النهائى فى الموضوع، فيخرج الحكم خاطئا.
3 - ترتيب آيات هذا الموضوع ترتيبا زمانيا قدر الإمكان، حسب نزولها على النبى صلّى الله عليه وسلم.

4- الاستعانة بأسباب نزول هذه الآيات.
5 - الاستعانة بالأحاديث وآثار السلف .
6 - بيان مناسبة كل آية من هذه الآيات فى سورها.
7 - دراسة هذه الآيات دراسة موضوعية متكاملة، يراعى فيها التوفيق بين مطلقها ومقيدها، وعامها وخاصها، والتنبيه على ناسخها ومنسوخها.
8 – صياغة الموضوع صياغة جيدة بأسلوب شائق، ويوضع فى إطار جميل، وهيكل متناسق.

دراسة الآيات
90 ــــــــــ 91
من سورة النحل

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ(91)

شرح الكلمات:
العدل: الإنصاف ومنه التوحيد.
الإحسان: أداء الفرائض وترك المحارم مع مراقبة الله .وإيتاء ذوي القربى: أي إعطاء ذي القربى حقوقهم من الصلة والبر.
عن الفحشاء:الزنا. يعظكم:أي يأمركم وينهاكم.
تذكرون: أي تتعظون. توكيدها: أي تغليظها.

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، فَقِيلَ: الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِحْسَانُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْفَرْضُ، وَالْإِحْسَانُ النَّافِلَة. وَقِيلَ: الْعَدْلُ اسْتِوَاءُ الْعَلَانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ، والإحسان أن تكون  السَّرِيرَةُ أَفْضَلَ مِنَ الْعَلَانِيَة. وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ. وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ الْعَدْلِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ وَأَمَّا الْإِحْسَانُ فَمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ التَّفَضُّلُ بِمَا لَمْ يَجِبْ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.

وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَسَّرَ الْإِحْسَانَ بِأَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ الْعَبْدُ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ،وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أَيْ: إِعْطَاءِ الْقَرَابَةِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُمْ، وَفِي الْآيَةِ إِرْشَادٌ إِلَى صِلَةِ الْأَقَارِبِ وَتَرْغِيبٌ فِي التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إِنْ كَانَ إِعْطَاءُ الْأَقَارِبِ قَدْ دَخَلَ تَحْتَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَقِيلَ: مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَاجِبِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ. وَإِنَّمَا خَصَّ ذَوِي الْقُرْبَى لِأَنَّ حَقَّهُمْ آكِدُ، فَإِنَّ الرَّحِمَ قَدِ اشْتَقَّ اللَّهُ اسْمَهَا مِنِ اسْمِه. وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ: هِيَ الْخَصْلَةُ الْمُتَزَايِدَةُ فِي الْقُبْحِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَأما الْبَغْيِ فَقِيلَ: هُوَ الْكِبْرُ، وَقِيلَ: الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْحِقْدُ، وَقِيلَ: التَّعَدِّي، وَحَقِيقَتُهُ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فَيَشْمَلُ هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ وَيَنْدَرِجُ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ تَحْتَ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِهِ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ وَوَبَالِ عَاقِبَتِهِ، وَهُوَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَرْجِعُ عَلَى فَاعِلِهَا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ خَتَمَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أَيْ: يَعِظُكُمْ بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهَا كَافِيَةٌ فِي بَابِ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ إِرَادَةَ أَنْ تَتَذَكَّرُوا مَا يَنْبَغِي تَذَكُّرُهُ فَتَتَّعِظُوا بِمَا وَعَظَكُمُ اللَّهُ بِهِ.

وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ عَهْدٍ يَقَعُ مِنَ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ عَهْدِ الْبَيْعَةِ وَغَيْرِهِ، وَخَصَّ هَذَا الْعَهْدَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِالْعَهْدِ الْكَائِنِ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ الْعَهْدُ الْمُضَافُ إِلَى اسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْعُمُومِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ عُهُودِ اللَّهِ. فَالِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْيَمِينِ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِذِكْرِ الْوَفَاءِ بِالْأَيْمَانِ بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أَيْ: بَعْدَ تَشْدِيدِهَا وَتَغْلِيظِهَا وَتَوْثِيقِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اخْتِصَاصَ النَّهْيِ عَنِ النَّقْضِ بِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ، لَا بِغَيْرِهَا مِمَّا لَا تَأْكِيدَ فِيهِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ النَّقْضِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، وَلَكِنْ فِي نَقْضِ الْيَمِينِ الْمُؤَكَّدَةِ مِنَ الْإِثْمِ فَوْقَ الْإِثْمِ الَّذِي فِي نَقْضِ مَا لَمْ يُوَكَّدْ مِنْهَا، يُقَالُ وَكَّدَ وَأَكَّدَ تَوْكِيدًا وَتَأْكِيدًا، وَهُمَا لُغَتَانِ.

وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أَيْ: شَهِيدًا، وَقِيلَ: حَافِظًا، وَقِيلَ: ضَامِنًا، وقيل: رَقِيبًا لِأَنَّ الْكَفِيلَ يُرَاعِي حَالَ الْمَكْفُولِ بِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ تَوْكِيدَ الْيَمِينِ هُوَ حَلِفُ الْإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِرَارًا. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ التَّوْكِيدَ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ وَاحِدَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ فَيُجَازِيكُمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ. أخرج البخاري وغيره من أصحاب السنن أن أَعْظَمُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ هي : اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَجْمَعُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ الْآيَةُ الَّتِي فِي النَّحْلِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَأَكْثَرُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَفْوِيضًا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً- وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وأشدّ آية في كتاب الله رجاء: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.. الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ لَكُمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ والشرّ كله في آية واحدة، فو الله مَا تَرَكَ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا جَمَعَهُ، وَلَا تَرَكَ الْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكَرُ وَالْبَغْيُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا جَمَعَهُ.

من هداية الآيات:
1- بيان أجمع آية للخير والشر في القرآن وهي آية {إن الله يأمر بالعدل والإحسان..}.
2- وجوب العدل والإحسان وإعطاء ذوي القربى حقوقهم الواجبة من البر والصلة. تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه من الفواحش الظاهرة والباطنة.
4- تحريم البغي بجميع صوره وأشكاله.
5- وجوب الوفاء بالعهود وحرمة نقضها.

المحاضرة الثالثة

المحاضرة الثالثة

سورة الإسراء { 31 ـــــــــــ 35}

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (31) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (34)

شرح الكلمات:

خشية إملاق: أي خوف الفقر وشدته.

خطئاً كبيراً: أي إثماً عظيماً.

فاحشة وساء سبيلاً: أي خصلة قبيحة شديدة القبح،، وسبيلا بئس السبيل.

لوليه سلطان: أي لوارثه تسلطاً على القاتل.

فلا يسرف في القتل: أي لا يقتل غير القاتل.

إلا بالتي هي أحسن: أي ألا بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي تنميته والإنفاق عليه منه بالمعروف.

حتى يبلغ أشده: أي بلوغه سن التكليف وهو عاقل رشيد.

وأوفوا بالعهد: أي إذا عاهدتم الله أو العباد فأوفوا بما عاهدتم عليه.

إن العهد كان مسئولا: أي عنه وذلك بأن يسأل العبد يوم القيامة لم نكثت عهدك؟

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أَمْلَقَ الرَّجُلُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الْمَلَقَاتُ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْعِظَامُ الْمُلْسُ. وَيُقَالُ: أَمْلَقَ إِذَا افْتَقَرَ وَسَلَبَ الدَّهْرُ مَا بِيَدِهِ. نَهَاهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْلَادَهُمْ خَشْيَةَ الْفَقْرِ، وَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَ الْفَقْرِ حَتَّى يَبْلُغُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَى قَتْلِ الْأَوْلَادِ لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّازِقُ لِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ الْأَبْنَاءَ كَمَا يَرْزُقُ الْآبَاءَ فَقَالَ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ وَلَسْتُمْ لَهُمْ بِرَازِقِينَ حَتَّى تَصْنَعُوا بِهِمْ هَذَا الصُّنْعَ، وَقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْأَنْعَامِ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحَانَهُ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَبِالْهَمْزِ الْمَقْصُورِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، خَطَأً، بِفَتْحِ الخاء والطاء والقصر في الهمز، يقال: خطىء في ذنبه خطأ إدا أَثِمَ، وَأَخْطَأَ: إِذَا سَلَكَ سَبِيلَ خَطَأٍ عَامِدًا أو غير عامد.

وَلَمَّا نَهَى سُبْحَانَهُ عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ الْمُسْتَدْعِي لِإِفْنَاءِ النَّسْلِ ذَكَرَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنَا الْمُفْضِي إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ فَقَالَ: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى وَفِي النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِهِ بِمُبَاشَرَةِ مُقَدَّمَاتِهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالْأَوْلَى، فَإِنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الشَّيْءِ إِذَا كَانَتْ حَرَامًا كَانَ المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب، والزنى فِيهِ لُغَتَانِ: الْمَدُّ، وَالْقَصْرُ.

ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنَا بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أَيْ: قَبِيحًا مُتَبَالِغًا فِي الْقُبْحِ مُجَاوِزًا لِلْحَدِّ وَساءَ سَبِيلًا أَيْ: بِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى النَّارِ، وَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي تَقْبِيحِهِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الْقَتْلِ لِخُصُوصِ الْأَوْلَادِ وَعَنِ النَّهْيِ عَنِ الزِّنَا الَّذِي يُفْضِي إِلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ قَتْلُ الْأَوْلَادِ مِنِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، نَهَى عَنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ الْمَعْصُومَةِ عَلَى الْعُمُومِ فَقَالَ: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ والمراد بالتي حَرَّمَ اللَّهُ الَّتِي جَعَلَهَا مَعْصُومَةً بِعِصْمَةِ الدِّينِ أَوْ عِصْمَةِ الْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ هُوَ مَا يُبَاحُ بِهِ قَتْلُ الْأَنْفُسِ الْمَعْصُومَةِ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ كَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا مِنَ الْمُحْصَنِ، وَكَالْقِصَاصِ مِنَ الْقَاتِلِ عَمْدًا عُدْوَانًا وَمَا يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ بَعْضِ الْمَقْتُولِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَالَ: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أَيْ: لَا بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُسَوِّغَةِ لِقَتْلِهِ شَرْعًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً أَيْ: لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ مَنْ وَرَثَتِهِ إِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ، أَوْ مِمَّنْ لَهُ سُلْطَانٌ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ، وَالسُّلْطَانُ: التَّسَلُّطُ عَلَى الْقَاتِلِ إِنْ شَاءَ قَتَلَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ. ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ إِبَاحَةَ الْقِصَاصِ لِمَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِ الْمَقْتُولِ، أَوْ مَا هُوَ عِوَضٌ عَنِ الْقِصَاصِ نَهَاهُ عَنْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فَقَالَ: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ أَيْ: لَا يُجَاوِزْ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ فَيَقْتُلْ بِالْوَاحِدِ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةً، أَوْ يُمَثِّلْ بِالْقَاتِلِ، أَوْ يُعَذِّبْهُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «لَا يُسْرِفْ» بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ، أي: الولي، وقرأ حمز وَالْكِسَائِيُّ تُسْرِفْ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، وَهُوَ خِطَابٌ لِلْقَاتِلِ الْأَوَّلِ، وَنَهْيٌ لَهُ عَنِ الْقَتْلِ، أَيْ: فَلَا تُسْرِفُ أَيُّهَا الْقَاتِلُ بِالْقَتْلِ فَإِنَّ عَلَيْكَ الْقِصَاصَ مَعَ مَا عَلَيْكَ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَلَعْنَتِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنِ السَّرَفِ فَقَالَ: إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً أَيْ: مُؤَيَّدًا مُعَانًا، يَعْنِي الْوَلِيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ نَصَرَهُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ لَهُ بِمَا أَبْرَزَهُ مِنَ الْحُجَجِ، وَأَوْضَحَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْوِلَايَاتِ بِمَعُونَتِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْمَقْتُولِ، أَيْ: إِنَّ اللَّهَ نَصَرَهُ بِوَلِيِّهِ، قِيلَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِ الْقَتْلِ لِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ.

لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ النَّهْيَ عَنْ إِتْلَافِ النُّفُوسِ أَتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِتْلَافِ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ أَهَمَّهَا بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ مَالُ الْيَتِيمِ، فَقَالَ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ وَالنَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِهِ مُبَالَغَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لَهُ وَإِتْلَافِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قُرْبَانِهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ فِيمَا يُصْلِحُهُ وَيُفْسِدُهُ، بَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَفْعَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَا يُصْلِحُهُ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ مُبَاشَرَتَهُ، فَقَالَ: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَيْ: إِلَّا بِالْخَصْلَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الْخِصَالِ، وَهِيَ حِفْظُهُ وَطَلَبُ الرِّبْحِ فِيهِ وَالسَّعْيُ فِيمَا يَزِيدُ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْغَايَةَ الَّتِي لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِ مَالِ الْيَتِيمِ فَقَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ أَيْ: لَا تَقْرَبُوهُ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ الْيَتِيمُ أَشُدَّهُ، فَإِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ كَانَ لَكُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَيْهِ، أَوْ تَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِإِذْنِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مُسْتَوْفًى فِي الْأَنْعَامِ.

وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَهُوَ مِنَ الْعَهْدِ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَمَا بَيْنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ. وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ: هُوَ الْقِيَامُ بِحِفْظِهِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَالْقَانُونِ الْمَرْضِيِّ، إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى جَوَازِ النَّقْضِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي: مسؤولا عنه، فالمسؤول هُنَا هُوَ صَاحِبُهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْعَهْدَ يُسْأَلُ تَبْكِيتًا لِنَاقِضِهِ.

أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ قَالَ: مَخَافَةَ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى قَالَ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يَكُنْ حُدُودٌ، فَجَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْحُدُودُ فِي سُورَةِ النُّورِ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبيّ ابن كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كان فاحشة ومقتا وَسَاءَ سَبِيلًا إِلَّا مَنْ تَابَ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا» فَذُكِرَ لِعُمَرَ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: أَخَذْتُهَا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَكَ عَمَلٌ إِلَّا الصَّفْقَ بِالْبَقِيعِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّرْهِيبِ عَنْ فَاحِشَةِ الزِّنَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الْآيَةَ قَالَ: هَذَا بِمَكَّةَ وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِ الْقَتْلِ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَغْتَالُونَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ قَتَلَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ قَتْلُهُ إِيَّاكُمْ عَلَى أَنْ تَقْتُلُوا لَهُ أَبًا أَوْ أَخًا أَوْ وَاحِدًا مِنْ عَشِيرَتِهِ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، فَلَا تَقْتُلُوا إِلَّا قَاتِلَكُمْ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ براءة، وقبل أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً يَقُولُ: لَا تَقْتُلْ غَيْرَ قَاتِلِكَ، وَهِيَ الْيَوْمُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا إِلَّا قَاتِلَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً قَالَ: بَيِّنَةٌ مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهَا يَطْلُبُهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْقَوْدُ أَوِ الْعَقْلُ، وَذَلِكَ السُّلْطَانُ.

من هداية الآيات:

1- حرمة قتل الأولاد بعد الولادة أو إجهاضاً قبلها خوفا من الفقر أو العار.

2- حرمة مقدمات الزنا كالنظر بشهوة والكلام مع الأجنبية ومسها وحرمة الزنا وهو أشد.

3- حرمة قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق والحق قتل عمد عدواناً، وزناً بعد إحصان، وكفر بعد إيمان1. 4- حرمة مال اليتيم أكلا أو إفساداً أو تضييعاً وإهمالاً.


المحاضرة الرابعة

سورة الإسراء - الآيات {35-39}

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (36) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (37) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39)

شرح الكلمات:

إلا بالتي هي أحسن: أي ألا بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي تنميته والإنفاق عليه منه بالمعروف.

حتى يبلغ أشده: أي بلوغه سن التكليف وهو عاقل رشيد.

وأوفوا بالعهد: أي إذا عاهدتم الله أو العباد فأوفوا بما عاهدتم عليه.

إن العهد كان مسئولا: أي عنه وذلك بأن يسأل العبد يوم القيامة لم نكثت عهدك؟

أوفوا الكيل: أي اتموه ولا تنقصوه.

بالقسطاس المستقيم: أي الميزان السوي المعتدل.

وأحسن تأويلاً: أي مآلاً وعاقبة.

ولا تقف: أي ولا تتبع.

والفؤاد: أي القلب.

كان عنه مسئولاً: أي عن كل واحد من هذه الحواس الثلاث يوم القيامة.

مرحاً: أي ذا مرح بالكبر والخيلاء.

لن تخرق الأرض: أي لن تثقبها أو تشقها بقدميك.

من الحكمة: أي التي هي معرفة المحاب لله تعالى للتقرب بها إليها ومعرفة المساخط لتتجنبها تقربا إليه تعالى بذلك.

ملوما مدحوراً: أي تلوم نفسك على شركك بربك مبعداً من رحمة الله تعالى.

الشرح:

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ أَيْ: أَتِمُّوا الْكَيْلَ وَلَا تُخْسِرُوهُ وَقْتَ كَيْلِكُمْ لِلنَّاسِ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ قَالَ الزَّجَّاجُ:

هُوَ مِيزَانُ الْعَدْلِ، أَيْ مِيزَانٌ كَانَ مِنْ مَوَازِينِ الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ لُغَتَانِ: ضَمُّ الْقَافِ، وَكَسْرُهَا وَقِيلَ: هُوَ الْعَدْلُ نَفْسُهُ،. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْقُسْطَاسِ بِضَمِّ الْقَافِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ خَيْرٌ أَيْ: خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ يَتَأَثَّرُ عَنْهُ حُسْنُ الذِّكْرِ وَتَرْغِيبِ النَّاسِ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أَيْ: أَحْسَنُ عَاقِبَةً، مِنْ آلَ إِذَا رَجَعَ. ثُمَّ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِإِصْلَاحِ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أَيْ: لَا تَتَّبِعْ مَا لَا تَعْلَمُ، مِنْ قَوْلِكَ: قَفَوْتُ فُلَانًا إِذَا اتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَمِنْهُ الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالْقَافَةِ لِأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَقْدَامِ النَّاسِ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ: تَقُفْ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ مَا لَا يَعْلَمُ أَوْ يَعْمَلُ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، وَقَدْ جَعَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ خَاصَّةً بِأُمُورٍ فَقِيلَ: لَا تَذُمَّ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وَقِيلَ: هِيَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ، وَقِيلَ: هِيَ في القذف. وقال القتبي: مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَتَّبِعِ الْحَدْسَ وَالظُّنُونَ، وَهَذَا صَوَابٌ، فَإِنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا هُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ مُسْتَنَدٍ قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا، قَالَ أَبُو السُّعُودِ فِي تَفْسِيرِهِ: وَاسْتِعْمَالُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُنْكَرُ شُيُوعُهُ. وَيقول الشوكاني: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَلَكِنَّهَا عَامَّةٌ مُخَصَّصَةٌ بِالْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ بِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، كَالْعَمَلِ بِالْعَامِّ، وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، وَفِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا تُخْرَجُ مِنْ عُمُومِهَا وَمِنْ عُمُومِ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِلَّا مَا قَامَ دَلِيلُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ، فَالْعَمَلُ بِالرَّأْيِ فِي مَسَائِلِ الشَّرْعِ إِنْ كَانَ لِعَدَمِ وُجُودِ الدَّلِيلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ قَاضِيًا: «بِمَ تَقْضِي؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي» وَهُوَ حَدِيثٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَأَمَّا التَّوَثُّبُ عَلَى الرَّأْيِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ- وَلَكِنَّهُ قَصْرُ صَاحِبِ الرَّأْيِ عَنِ الْبَحْثِ فَجَاءَ بِرَأْيِهِ- فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ هَذَا النَّهْيِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، لِأَنَّهُ مَحْضُ رَأْيٍ فِي شَرْعِ اللَّهِ، وَبِالنَّاسِ عَنْهُ غِنًى بِكِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، عَلَى أَنَّ التَّرْخِيصَ فِي الرَّأْيِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لِلْمُجْتَهِدِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ بِهِ وَيُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ مَسَائِلِ الشَّرْعِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَكَ أَتَمَّ اتِّضَاحٍ، وَيَظْهَرُ لَكَ أَكْمَلَ ظُهُورٍ أَنَّ هَذِهِ الْآرَاءَ الْمُدَوَّنَةَ فِي الْكُتُبِ الْفُرُوعِيَّةِ لَيْسَتْ مِنَ الشَّرْعِ فِي شَيْءٍ، وَالْعَامِلُ بِهَا عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فَالْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الرَّأْيِ قَدْ قَفَا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَالْمُقَلِّدُ الْمِسْكِينُ الْعَامِلُ بِرَأْيِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ قَدْ عَمِلَ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وَلَا لِمَنْ قَلَّدَهُ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِالْعَقَائِدِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحَانَهُ النَّهْيَ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بعلم بِقَوْلِهِ: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا إِشَارَةٌ إِلَى الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى الْعُقَلَاءِ لما كانت مسؤولة عَنْ أَحْوَالِهَا شَاهِدَةً عَلَى أَصْحَابِهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَمَّا يَعْقِلُ وَعَمًّا لَا يَعْقِلُ بِأُولَئِكَ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ. وَالضَّمِيرُ فِي كان من قوله: كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا يَرْجِعُ إِلَى كُلُّ، وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي كَانَ يَعُودُ إِلَى الْقَافِي الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلا تَقْفُ. وَقَوْلُهُ: عَنْهُ في محل رفع لإسناد مسؤولا إِلَيْهِ، وَرَدَ بِمَا حَكَاهُ النَّحَّاسُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ جَارَّا أَوْ مَجْرُورًا. قِيلَ: وَالْأَوْلَى وَمَعْنَى سُؤَالِ هَذِهِ الْجَوَارِحِ أَنَّهُ يَسْأَلُ صَاحِبَهَا عَمَّا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ لأنها آلات، والمستعمل لها هُوَ الرُّوحُ الْإِنْسَانِيُّ، فَإِنِ اسْتَعْمَلَهَا فِي الْخَيْرِ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهَا فِي الشَّرِّ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُنْطِقُ الْأَعْضَاءَ هَذِهِ عِنْدَ سُؤَالِهَا فَتُخْبِرُ عَمَّا فَعَلَهُ صَاحِبُهَا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً الْمَرَحُ: قِيلَ هُوَ شِدَّةُ الْفَرَحِ، وَقِيلَ: التَّكَبُّرُ فِي الْمَشْيِ، وَقِيلَ:َجَاوُزُ الْإِنْسَانِ قَدْرَهُ، وَقِيلَ: الْخُيَلَاءُ فِي الْمَشْيِ، وَقِيلَ: الْبَطَرُ وَالْأَشَرُ، وَقِيلَ: النَّشَاطُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْخُيَلَاءُ وَالْفَخْرُ، قَالَ الزَّجَّاجُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: لَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مُخْتَالًا فَخُورًا، وَذَكَرَ الْأَرْضَ مَعَ أَنَّ الْمَشْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَيْهَا أَوْ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهَا تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:

وَلَا تَمْشِ فَوْقَ الْأَرْضِ إِلَّا تَوَاضُعًا ... فَكَمْ تَحْتَهَا قَوْمٌ هُمْ مِنْكَ أَرْفَعُ

وَإِنْ كُنْتَ فِي عِزٍّ وَحِرْزٍ وَمَنَعَةٍ ... فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْمٍ هُمْ مِنْكَ أَمْنَعُ

وَالْمَرَحُ مَصْدَرٌ وَقَعَ حَالًا، أَيْ: ذَا مَرَحٍ، وَفِي وَضْعِ الْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ نَوْعُ تَأْكِيدٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَرَحاً بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَحَكَى يَعْقُوبُ عَنْ جَمَاعَةٍ كَسْرَهَا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحَانَهُ هَذَا النَّهْيَ فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ يُقَالُ خَرَقَ الثَّوْبَ، أَيْ: شَقَّهُ، وَخَرَقَ الْأَرْضَ قَطَعَهَا، وَالْخَرْقُ: الْوَاسِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ بِمَشْيِكَ عَلَيْهَا تَكَبُّرًا، وَفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالْمُخْتَالِ الْمُتَكَبِّرِ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أَيْ: وَلَنْ تَبْلُغَ قُدْرَتُكَ إِلَى أَنْ تُطَاوِلَ الْجِبَالَ حَتَّى يَكُونَ عَظْمُ جُثَّتِكَ حَامِلًا لَكَ عَلَى الْكِبَرِ وَالِاخْتِيَالِ، فَلَا قُوَّةَ لَكَ حَتَّى تَخْرِقَ الْأَرْضَ بِالْمَشْيِ عَلَيْهَا، وَلَا عِظَمَ فِي بَدَنِكَ حَتَّى تُطَاوِلَ الْجِبَالَ، فَمَا الْحَامِلُ لَكَ عَلَى مَا أنت فيه؟ وطولا مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَوْ تَمْيِيزٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِخَرْقِ الْأَرْضِ نَقْبُهَا لَا قَطْعُهَا بِالْمَسَافَةِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: خَرَقَهَا: قَطَعَهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَبْيَنُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَرْقِ، وَهُوَ الْفَتْحَةُ الْوَاسِعَةُ وَيُقَالُ: فُلَانٌ أَخْرَقُ مِنْ فُلَانٍ، أَيْ: أَكْثَرُ سَفَرًا، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: كُلُّ ذلِكَ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، أَوْ إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ فَقَطْ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا تَقْفُ- وَلا تَمْشِ قَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَمَسْرُوقٌ سَيِّئُهُ عَلَى إِضَافَةِ سَيِّئٍ إِلَى الضَّمِيرِ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ قَوْلُهُ: مَكْرُوهاً فَإِنَّ السَّيِّئَ هُوَ الْمَكْرُوهُ، وَيُؤَيِّدُهَا أَيْضًا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ: «كَانَ سَيِّئَاتُهُ» ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو «سَيِّئَةً» عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةُ السَّيِّئَاتِ، وَانْتِصَابُهَا عَلَى خَبَرِيَّةِ كَانَ، وَيَكُونُ مَكْرُوهاً صِفَةً لِسَيِّئَةٍ عَلَى الْمَعْنَى، فَإِنَّهَا بِمَعْنَى سَيِّئًا، أَوْ هُوَ بَدَلٌ مِنْ سَيِّئَةٍ وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ ثَانٍ لِكَانَ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ كُلُّ، وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ الْبَدَلَ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ بِغَيْرِ هَذَا مِمَّا فِيهِ تَعَسُّفٌ لَا يَخْفَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْإِضَافَةُ أحسن لأن ما تقدّم من الآيات فيها سَيِّئٌ وَحَسَنٌ، فَسَيِّئُهُ الْمَكْرُوهُ وَيُقَوِّي ذَلِكَ التَّذْكِيرُ فِي الْمَكْرُوهِ قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ كُلُّ ذلِكَ إِحَاطَةً بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ دُونَ الْحَسَنِ، الْمَعْنَى: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَانَ سَيِّئَةً وَكَانَ مَكْرُوهًا، قَالَ: وَالْمَكْرُوهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بَدَلٌ مِنَ السَّيِّئَةِ وَلَيْسَ بِنَعْتٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَكْرُوهِ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُبْغِضُهُ وَلَا يَرْضَاهُ، لَا أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مُطْلَقًا لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ وَاقِعَةٌ بِإِرَادَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَذَكَرَ مُطْلَقَ الْكَرَاهَةِ مَعَ أَنَّ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْخِصَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا هُوَ حَسَنٌ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَعَلَى قِرَاءَةِ الْإِضَافَةِ تَكُونُ الْإِشَارَةُ بقوله:

كُلُّ ذلِكَ إلى جميع الخصال حسنها ومكروهها، ثم الإخبار بأن ما هو سيئ من هذه الأشياء وهو المنهي عنه مكروه عند الله، وعلى قراءة الإفراد من دون إضافة تَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَنْهِيَّاتِ، ثُمَّ الْإِخْبَارُ عَنْ هذه المنهيات بأنها سيئة مكروهة عند الله ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ:

لَا تَجْعَلْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، وَتَرْتَقِي إِلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ تَكْلِيفًا، مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ أَيْ: مِنْ جِنْسِهِ أَوْ بَعْضٍ مِنْهُ، وَسُمِّيَ حِكْمَةً لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُحْكَمٌ، وَهُوَ مَا عَلَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ أَوْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الْفَسَادُ. وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ أَنَّ الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته، ومِنَ الْحِكْمَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَقَعَ حَالًا، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْحِكْمَةِ، أَوْ بَدَلٌ مِنَ الْمَوْصُولِ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِأَوْحَى وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كَرَّرَ سُبْحَانَهُ النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ رَأَسُ خِصَالِ الدِّينِ وَعُمْدَتُهُ. قِيلَ: وَقَدْ رَاعَى سُبْحَانَهُ فِي هَذَا التَّأْكِيدِ دَقِيقَةً «1» فَرَتَّبَ عَلَى الْأَوَّلِ كَوْنَهُ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَالِ الشِّرْكِ فِي الدُّنْيَا، وَرَتَّبَ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ يُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً مَدْحُوراً أَيْ: مَطْرُودًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مُبْعَدًا عَنْهَا،وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَالِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَفِي الْقُعُودِ هُنَاكَ، وَالْإِلْقَاءُ هُنَا، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا صُورَةَ اخْتِيَارٍ بِخِلَافِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمَلُومِ وَالْمَدْحُورِ .

والمنهي عنه من قوله تعالى: {وقضى ربك} إلى قوله {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} سيئة كالتبذير والبخل وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم، وبخس الكيل والوزن، والقول بلا علم كالقذف وشهادة الزور، والتكبر كل هذا مكروه وما كان من حسن فيه كعبادة الله تعالى وحده وبر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى والمساكين وابن السبيل والعدة الحسنة فكل هذا الحسن هو عند ألله .

من هداية الآيات:
1- وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة بخس الكيل والوزن.
2- حصول البركة لمن يمتثل أمر الله في كيله ووزنه.
3- حرمة القول أو العمل بدون علم لما يُقْضِي إليه ذلك من المفاسد ولأن الله تعالى سائل كل الجوارح ومستشهدها على صاحبها يوم

6- حرمة الكبر ومقت المتكبرين.
7- انتظام هذا السياق لخمس وعشرين حكمة الأخذ بها خير من الدنيا وما فيها، والتفريط فيها هو سبب خسران الدنيا والآخرة.

المراجع:

1. فتح القدير للشوكاني

2. أيسر التفاسير للجزائري

3. تفسير القرآن العظيم لابن كثير







أرقام الاتصال

أرقام الاتصال

0536975590

[email protected]

الساعات المكتبية

الساعات المكتبية



سيتم دعم الطلاب من خلال الساعات

المكتبية المتاحة للأستاذ خلال

الفصل الدراسي الثاني كما موضح

أدناه :


الأثنين: 8  -  10

الثلاثاء: 10 -  12

الأربعاء: 8   - 12




أعلان هام

إعلان هام

إلى طلابي الأماجد {تذكير}

اختبار المواد : أصول التفسير والتفسير الموضوعي والتجويد وآداب التلاوة سوف تكون على النحو التالي:


المادة التاريخ الزمن
أصول التفسير ومناهجه الاثنين:7/8 1436 هـ                
1:30 -12:30  ظهراً        
التفسير الموضوعي2  الأحد: 8/13/ 1436هـ       
8 - 10  صبا حاً
التجويد الثلاثاء: 15/8/ 1436هـ       
 8 -  10   صباحاً                     

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 15

البحوث والمحاضرات: 11

الزيارات: 3578