أثر الكلمة الطيبة

الكلمة الطيبة وآثارها الحسنة


الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان، علمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: ﴿  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: 24-26]. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله جاء بالحق ونطق به، القائل: (والكلمة الطيبة صدقة) [2].

 

صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الصادقين، وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، وسلم تسليما. أما بعد، فاتقوا الله-عباد الله-؛ فإن تقوى الله أطيب الأعمال وأزكاها، وأفضل الوصايا وأسماها، فما أوصى موصٍ بمثلها.

 

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً ﴾ [النساء: 131].

 

فمن اتقى الله نال الفلاح كله. ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5].

 

أيها الناس، ذكر بعض المؤرخين أن يهودياً مرَّ بإبراهيم بن أدهم رحمه الله، فأراد ذلك اليهودي أن يستفز إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، ألحيتك أطهر من ذنب الكلب، أم ذنب الكلب أطهر من لحيتك؟! فقال إبراهيم: إن كانت في الجنة فهي أطهر من ذنب الكلب، وإن كانت في النار فذنب الكلب أطهر منها. فلما سمع اليهودي هذا الجواب الحليم من المؤمن الكريم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

 

فتأملوا -أيها الأخوة الكرام- ماذا صنعت الكلمة الطيبة- مع ذلك الاستفزاز المقيت- في نفس اليهودي وكيف أنبتت نباتاً حسناً بإذن ربها.

 

قال تعالى: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ [الإسراء: 53].

 

عباد الله، إن الكلمة الطيبة ثمرة طيبة تخرج من نفس طيبة، وزهرة حسنة تقطفها يد كريمة من حديقة قلب معمور بالطيب وروائح الحب السليم. والكلمة الطيبة حروف مضيئة تنبثق من صدر يتلألأ بالنور، ويزهر بالسرور. تولد الكلمة الطيبة من ذلك المكان المشرق لتضيء القلوب والأرواح والوجوه. الكلمة الطيبة بسمة الحياة، وعطر الشفاه، وبلسم الجروح، وشفاء الجسد والروح.

 

والكلمة الطيبة عنوان المتكلم ودليله، ولباسه الساتر وجماله الظاهر، وعطره الفواح، ومفتاحه إلى القلوب والأرواح، وسفيره الذي يصعد إلى السماء ليجد حسن الجزاء.

 

قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10].

 

والكلمة الطيبة تكشف عن مكنون صاحبها من رجاحة العقل وصفاء القلب، قال الشاعر:

وزنِ الكلامَ إذا نطقت فإنما
يُبدي عقولَ ذوي العقول المنطقُ

 

أيها المسلمون، إن الكلمة الطيبة هي الألفاظ الحسنة التي تخرج من فم الإنسان ابتداء أو جواباً، وتحمل معها الخير والنفع للناس، وتبتعد عن الفحش والبذاء، والإضرار والإيذاء، والشتم والاستهزاء.

 

إنها ليست كلمة واحدة، بل كلمات تنبع من مشكاة مليئة بما لذ وطاب من الكلام الذي ينبت في القلب السليم وينشره اللسان المستقيم.

 

والكلمة الطيبة ذكر لله تعالى وتسبيح، وتهليل وتكبير، وحمد ودعاء، وشكر وقراءة قرآن، وعلم نافع، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ونصيحة نافعة، وغير ذلك من العبادات القولية.

 

والكلمة الطيبة أقوال طاهرة من السباب وجرح الأعراض، وإيذاء الأسماع، وإيجاع القلوب، وإنبات وغر الصدور.

 

وهي جواب حسن، ورد لطيف على القريب والبعيد، والصديق والعدو. فالمؤمن طيب ولا يتكلم إلا بطيب الكلام. قال تعالى: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [النور: 26].

 

إن صاحب النفس الشريفة لا تضيق عليه الألفاظ والأساليب فيلجأ إلى القول السيء، بل لديه معجم رحب من الجمل النظيفة التي يستطيع أن يصل بها إلى مراده الحسن دون اللجوء إلى الكلمات الجارحة، ولو كانت على سبيل المزاح والدعابة، أو استرجاع الحق وإثباته.

 

عباد الله، إن الكلمة الطيبة نبتة حسنة تثمر وتزهر في نفوس الخلق وترسل لهم ألذ الثمر وأطيب العرف الشذي.

 

هذا النبتة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لابد لها من أرض تنبت عليها، فما هذه الأرض الطيبة التي خرجت منها الكلمة الطيبة؟

هذه الأرض الطيبة هي نفس المؤمن الذي يحسن عبادة الله تعالى، ويحسن معاملة الخلق، فقد دعاه علمه ومراقبته لله تعالى إلى أن تصدر منه الكلمات الحسنة.

 

أيها المسلمون، إن الطبع الصافي والتربية الأسرية الناجحة والبيئة الصالحة، والقدوة الحسنة منابت خصبة تنبت المسلم الذي ينبلج من فمه النور الذي يبهج عيون الآخرين ويشرح صدورهم.

 

هذه الكلمة الطيبة تصدر من المؤمن عن يقين بثواب الله عليها، وحسن جزائه لقائلها، وتصدر عن حب الخير للناس، وإرادة إدخال السرور عليهم. وتصدر الكلمة الطيبة من المؤمن عن قوة عظيمة في الانتصار على النفس خاصة عند الخصام والجدال والعداوة، والقوي الحق هو الذي ينتصر على نفسه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [3].

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين بالجعرانة فقال ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم: يا رسول الله، اعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل). فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال (دعه...) [4]. فانظروا إلى حلم رسول الله أمام هذه الكلمة الخبيثة التي خرجت من هذا الرجل وقالها لأعدل الناس صلى الله عليه وسلم.

 

أيها الأحبة، إن النفس الإنسانية فيها من الشرور والأذى شيء كثير لا يحصى، ومن ذلك: أنها قد تستثار لتنطق برديء الكلام وسيء المقال، وفي هذه الحال يبرز دور تربية الإنسان نفسه ومجاهدته لها، ومحاسبتها على ما تتفوه به اللسان وتقوله، مستعيناً في تربية لسانه على الكلمة الطيبة بما في الكلمة الطيبة عند الله من الثواب الجزيل، والخير الكثير.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والكلمة الطيبة صدقة) [5].

 

وقال: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه) [6].


الساعات المكتبية

من الساعة 8 صباحا حتى الساعة 2 ظهرا .

أعلان هام

إعلان هام

أرقام الاتصال

0164421068


[email protected]

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 9

البحوث والمحاضرات: 0

الزيارات: 2000