قضايا مجتمعية





الفصل الأول

الصياغة الإسلامية لمفهوم القضايا المجتمعية والمشكلات وأنواعها وأهمية دراستها.





ويحتوي الفصل على:


أولاً: الصياغة الإسلامية لعلم المشكلات الاجتماعية وأهمية دراستها.


ثانياً: مفهوم المشكلات الاجتماعية وأنواعها.


ثالثاً: علاقة القيم الإسلامية التربوية بالقضايا المجتمعية ومشكلاتها.


أولاً: الصياغة الإسلامية لعلم المشكلات الاجتماعية.


إن الدعوة إلى صياغة علم الاجتماع صياغة إسلامية، تعني أن هناك خللاً يجب أن يسد، ومشكلة تبحث عن حل، وللوهلة الأولى يظن أن لهذه المشكلة علاقة بالأزمة التي يمر بها علم الاجتماع، والتي ظهرت في علم الاجتماع الغربي، والأمريكي بالذات، وتردد صداها في العام الإسلامي والثالث على وجه العموم. وهي عجز علم الاجتماع عن تفسير الظواهر الاجتماعية، وكذلك انغماسه في خدمة الأيديولوجيات المختلفة، سواء كانت رأسمالية أم اشتراكية.


ومع أن هذا يعد طرفاً من الحقيقة، حيث فتحت هذه الأزمة أنظار بعض علماء الاجتماع على علم الاجتماع الإسلامي، فوجدوا فيه بديلاً للاتجاهات الغربية، إلا أن الطرف الأكبر من الحقيقة، لم يكن كذلك، وإنما كان مرتبطاً بعملية البحث عن الذات، التي كادت تضيع في خضم عمليات التغريب والاستلاب الثقافي، وهذه العملية لا تختص بعلم الاجتماع فحسب، وإنما تمتد لتشمل كافة الميادين، وتهدف إلى إبراز لهوية الإسلامية، وتحكيم الشرع في كافة مجالات الحياة([1]).


ولنا أن نتساءل بعد ذلك، ما هي المشكلة التي أرقت علماء الاجتماع المسلمين؟


إن المشكلة التي يعاني منها علم الاجتماع، لم تصبه وحده فقط، ولكنها تتعداه لتصيب جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي مرتبطة ارتباطاً أساسياً بالنشأة الحديثة لهذه العلوم، وبالتكوين العلمي والفكري لرواد هذه العلوم.


ولقد كانت هذه هي المشكلة الكبرى، التي يفزع منها علماء الاجتماع المسلمون حينما يرونها مبثوثة في مبادئ علم الاجتماع ونظرياته، فالأوربيون هم واضعوا علم الاجتماع الحديث. وهم الذين طوروه، ووضعوا مناهجه ونظرياته، لمعالجة أوضاعهم الاجتماعية، وقد كان الأمر في غاية البساطة لو بقي هذا العلم حيث نشأ، ولكن الأمر انتقل إلى مرحلة خطرة، حينما أخذ هذا العلم صفة العالمية، ونُقل بحذافيره إلى بلاد العالم الإسلامي، في فترة الانبهار بالغرب، وما ينتجه.


وهنا يتبادر إلى الذهن سؤالان حول هذه القضية، وهما:


1- هل نظريات علم الاجتماع تعبر عن الحقيقة كاملة حتى تأخذ صفة العالمية؟


2- ما نوع القضايا والمشكلات التي أثارها علم الاجتماع، وهل هي قضايا عالمية؟


بالنسبة للإجابة عن السؤال الأول: فإن مادة البحث في هذه العلوم ناقصة، فقد اقتصرت على عالم الشهادة، دون اعتبار لعالم الغيب، واقتصرت على المحسوسات دون المعنويات. ولا شك أن تأثير علام الغيب في الحياة الواقعية كبير جداً، إضافة إلى أنه حق لا ريب فيه، لا يجوز عقلاً إنكاره، أو تجاهله بهذه الطريقة.


وبالنسبة للإجابة على السؤال الثاني، فإن استعراضاً سريعاً لمسيرة هذه العلوم سوف يوضح أنها كانت تهدف إلى الإجابة عن أسئلة أوروبية بحتة، لم تكن تثار في أنحاء العالم الآخر.


فلقد "تمثلت حصيلة التطورات المادية والفكرية والسياسية في أوربا، في القرن التاسع عشر، في انهيار تام لأركان المجتمع التقليدي، بكل نظمه وأفكاره ومقدساته، ونمو متزايد للفردية، وانهيار للانتماءات الاجتماعية، وإيمان بأسبقية الفرد على المجتمع، والقيم والقوانين، واهتزاز لنظم كانت شبه مقدسة كالأسرة، والطبقة، والطائفة، والملكية، والدين، وغير ذلك. إضافة إلى الاضطرابات الأخرى، التي شملت المجتمع الجديد بوصفها جزءاً لا يتجزأ من طبيعته، ومن أهمها الصراعات الطبقية، التي ولدتها ظروف العمل الصناعي، ونظام المصنع والأشكال المختلفة للاستقلال "([2]).


والصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع، تعني في ضوء هذا المفهوم: استقلال علم الاجتماع الإسلامي، استقلالاً يجعله في مواجهة علم الاجتماع الماركسي. وعلم الاجتماع الغربي الليبرالي. وذلك بسبب استقلالية التصور الإسلامي وشموليته، وتفرده عن التصورين السابقين.


ويترتب على هذه الصياغة:


  1. الحكم بخطأ المحاولات، التي تجعل علم الاجتماع الإسلامي، فرعاً من فروع علم الاجتماع العام، أو فرعاً من فروع علم الاجتماع الديني.

  2. وكذلك الحكم بخطأ المحاولات الأخرى التي تجعله علماً للمجتمعات الإسلامية فقط، ولا شك أن هذا يتصادم مع السبب الذي يدعو إلى الصياغة الإسلامية، وهو إبراز التصور الإسلامي، الذي تعد العالمية إحدى خصائصه.

  3. وأن يكون ميدان علم الاجتماع "هو واقع المجتمعات البشرية، في حدود كونها عالماً مشهوداً، يمكن ملاحظته واستخراج خصائصه، وقوانين حركته وتبدله.

  4. ويعني هذا الاكتفاء برأي الإسلام، في أمور يبحثها علم الاجتماع العام، ويتخبط فيها، نظراً لاعتماده على مفاهيم عقائدية أخرى، وذلك مثل: "أصل الأديان ونشأتها، وتعاقب النبوات، وتتابع تشريعاتها، وأحكامها ".

  5. ويتبع هذا دراسة القضايا الاجتماعية، التي فصل أحكامها الإسلام كالأسرة، وقضايا المرأة، دون إغفال لأوامر الشرع الإسلامي في ذلك.


ثانياً: مفهوم المشكلات الاجتماعية


اتفق كثير من التربويين بما فيهم المصلحون وعلماء النفس وعلماء الاجتماع على أهمية دراسة المشكلات الاجتماعية، غير أنهم اختلفوا في تحديد مفهوم واضح وثابت لها، وهذا الاختلاف واضح حتى عند علماء الاجتماع أنفسهم، فقد اختلفوا في تحديد مفهوم سوسيولجي([3]).


تطور علم المشكلات الاجتماعية


على الرغم من تطور المجتمعات البشرية وزيادة وعي الناس بضرورة الرقي والتقدم في مجالات الحياة المختلفة، فإن مشكلاتهم في تزايد مستمر، ومع حلول القرن العشرين كان هناك مفهوم يجمع إطاره المشكلات، وهو مفهومالباثولوجيا الاجتماعية([4]).


 ثمّ تبعه في الظهور مفهوم التفكك الاجتماعي([5])،وقد تزايدت الحاجة إلى دراسة المشكلات الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من تطورات سريعة، إذ أُلف أول كتاب خاص بالمشكلات الاجتماعية عام (1910م)([6])،ثمّ تجدد الاهتمام بالمشكلات الاجتماعية مع تأسيس جمعية دراسات المشكلات عام 1950م، وهو تنظيم يجمع بين علماء الاجتماع الذين تخصصوا في دراسة المشكلات الاجتماعية([7])،ويُمثّل علم المشكلات الاجتماعية الوجه الواقعي العملي للمعرفة الاجتماعية، لذا يحتاج إلى فريق من الباحثين، وقراءة عديد من الكتب والبحوث([8]).


إن تحديد إطار عام للمشكلات الاجتماعية لا زال مشكلة بحدّ ذاته، وهذا ما أكدته بعض الكتابات الحديثة في علم المشكلات الاجتماعية، من أن تحديد مفهوم المشكلات الاجتماعية بحد ذاتها مشكلة معقدة، ولا يكفي الإحساس بها بل لا بدّ من الوعي([9]).


وتتعرض المجتمعات إلى نوعين من المشكلات: طبيعية، واجتماعية، وتحدث المشكلات الطبيعية بفعل عوامل الطبيعة، كالزلازل والفيضانات والرياح والبراكين، وهذه مشكلات لا يتسبب فيها الفرد، ولا يستطيع السيطرة على أسبابها، أما المشكلة الاجتماعية فللفرد علاقة بظهورها، ولذلك يسعى أفراد المجتمع للقضاء عليها([10]).


مفهوم المشكلات الاجتماعية في الكتابات الحديثة


 ومن التعريفات الاصطلاحية لمفهوم المشكلة الاجتماعية:


  • عُرفت المشكلة الاجتماعية بأنها: موقف يتطلب معالجة إصلاحية، وينجم عن ظروف المجتمع، أو يتحتم معه تجميع الوسائل الاجتماعية لمواجهته ولتحسينه([11]).

  • وعُرّفت بأنها: "المشكلة التي تنشأ نتيجة وجود تناقض كبير بين ما هو كائن، وبين ما يعتقد الناس أنه يجب أن يكون، أي بين الأوضاع القائمة والقيم والمعايير الاجتماعية".

  • وتُعرف بأنها: "طريقة السلوك التي ينظر إليها النظام الاجتماعي، علماً أنها تُمثّل تعدياً على أحد أو بعض المعايير والقيم الاجتماعية المتعارف عليه"([12]).

  • كما عُرّفت بأنها: "الانحراف عن معايير المجتمع وقيمه، فالمجتمع وحده هو الذي يُحدد المشكلة التي توجد، حينما يكون هناك تناقض بين مُثل المجتمع وواقعه، والفجوة بينها هي المسؤولة عن حدوث المشكلات الاجتماعية"([13]).

  • وعرفها التير: "حالة أو ظاهرة يراها غالبية الأفراد، بما في ذلك ذوو النفوذ الاجتماعي في مجتمع وفي زمن معينين انحرافاً عن قيم اجتماعية يحترمها ويخضع لها أفراد المجتمع، وتتحكم في جوانب من أنماط السلوك العام"([14]).

    وقد حدّدت بعض الكتابات الحديثة أركان المشكلات الاجتماعية وأبرز عناصرها، ومن ذلك:


  1. الضرر المادي والمعنوي لقطاع كبير من الناس، فقد يقع الضرر على حياة الإنسان، أو على دينه، أو على ماله وعرضه وممتلكاته ([15]).

  2. تحديدها بموقف أو حالة أو سلوك.

  3. ظهور الفعل وإثارته لانتباه الأفراد.

  4. الإشارة إلى تهديدها للقيم والمعايير في المجتمع([16]).

  5.  أن تكون واقعية فعلاً في حياة الناس وليس من نسيج الخيال([17]).

  6. الشعور بالمشكلة وإدراك اقتضاء حلها جماعيّاً: ففهم المشكلة ينقلها من الجانب الموضوعي، إلى الجانب الذاتي.

    ونظراً لذلك فالحاجة الملحة تُحتّم أن يكون لدى دارسي المشكلات الاجتماعية خلفية إسلامية، تساعدهم على القيام بأبحاثهم الاجتماعية، وتأصيل مدرسة اجتماعية مستقلة، أساسها العقيدة الإسلامية، وتتسلح بالمهارات الأساسية من علوم اللغة وأصول الفقه ومصطلح الحديث، ويكون هدفها دراسة المشكلات التي لم تنجح النظريات الغربية في حلّها نظراً لأسباب قيمية وأيدلوجية([18]).

    ويمكن لنا تعريف المشكلة الاجتماعية من وجهة نظر الاسلام: هي كل حالة أو ظاهرة تتناقض مع قيم الإسلام ومُثله العليا الثابتة، وفيه مخالفة للسنن الاجتماعية، مما يؤثر على المجتمع تأثيراً سلبياً، لذا تتطلب المشكلة الاجتماعية حلاً جذرياً من جميع أفراد المجتمع كلٌّ حسب قدراته وإمكاناته.

    والخلل الذي أوقع الكثير من علماء الاجتماع في الخلط والأخطاء في علومهم هو المصدر، حيث جعلوا مصدر علم الاجتماع وأساسه المجتمع، فأفراد المجتمع هم من يُحددون وجود مشكلة ما، وهم من يُحدّدون القيم الحاكمة، وهذا بسبب اتّباعهم لما كتبه الغرب حرفياً دون تفكير أو وعي، في ظل العلاقة العدائية التي تجمع الدين والعلم.

    أنواع المشكلات الاجتماعية

    تَعدّدت أنواع المشكلات الاجتماعية واختلفت تصنيفاتها، بحسب وجهات نظر الباحثين في علم المشكلات الاجتماعية بحسب الرؤية العامة للمشكلات، فمنهم من صنّفها من حيث أبعادها، وبعضهم من حيث سبب نشأتها، ومن هذه التصنيفات:

    اتفق عدد من المفكرين الاجتماعيين على تقسيم دراسة المشكلات الاجتماعية إلى نوعين:

    النوع الأول: دراسة المشكلات المتعلقة بالتفكك الاجتماعي: ويشير إلى مظاهر الفشل في النسق الاجتماعي الذي يشمل المراكز والأدوار المترابطة، وتتمثل هذه المظاهر في عدم قدرة النسق الاجتماعي على تحقيق الأهداف الفردية والعامة لأعضائه، وإمكانية وجود نسق بديل قادر على أدائها، مثل: العنصرية، والتفكك الأسري، والفقر([19])، ويرجع فشل التركيب الاجتماعي في توفير متطلبات الحياة المناسبة لبعض الأفراد أو فئات المجتمع إلى سببين:


  • التباين في توفير الخدمات؛ فتحصل فئات معينة على النصيب الأكبر وتحرم الفئات الأخرى.

  • وجود حالة من اضطراب في القيم بسبب التغير الاجتماعي السريع، فيختلط الأمر على الأفراد ويصبح الخطأ لبعضهم صواباً والانحراف سلوكاً سوياً([20]).

    النوع الثاني:دراسة السلوك الانحرافي لدى الأفراد والجماعات: ويُشير إلى الفعل الذي ينحرف تماماً عن مجموعة المعايير التي وضعت لمجموعة الأفراد في المراكز الاجتماعية، فالسلوك يمكن تقويمه وفقاً لنماذج الفعل السائدة في المراكز الاجتماعية، مثل: الجريمة، تعاطي المخدرات، التخلف العقلي([21])، وعلى الرغم من كثرة أنماط السلوك المنحرف وتنوعها، إلا أنها تشترك في صفات رئيسة عامة، أهمها: مخالفة النظم وقواعد السلوك السائد بين غالبية أفراد المجتمع، وإثارة غضب الآخرين([22]).

    ومن الباحثين من يقسم المشكلات الاجتماعية إلى أربعة أقسام([23]):


  1. المشكلات التي تنشأ عن الأنظمة المضطربة، مثل: مشكلات التعليم، مشكلات الأسرة، مشكلات نظام الحكم.

  2. المشكلات التي تنشأ عن عدم المساواة، مثل: مشكلات الفقراء، مشكلات الأقلية العرقية.

  3. المشكلات التي تنشأ عن انحراف الأحداث، مثل: الجريمة، المخدرات.

  4. المشكلات التي تنشأ عن العالم المتغير، مثل: مشكلات التصنيع، زيادة السكان، الصراعات العالمية.

        وينبغي بعد هذا العرض التنبيه على بعض القضايا منها:

    القضية الأولى:قضية التقسيمات المنهجية لأنواع المشكلات الاجتماعية:

    تَعدّدت أنواع المشكلات الاجتماعية واختلفت تصنيفاتها، بحسب وجهات نظر الباحثين في علم المشكلات الاجتماعية بحسب الرؤية العامة للمشكلات، فمنهم من صنّفها من حيث أبعادها، وبعضهم من حيث سبب نشأتها، ومن هذه التصنيفات:

    القضية الثانية:الوحدة وعدم الفصل بين أنواع المشكلات الاجتماعية:

       فكل منها يمكن أن يكون سبباً لمشكلة أخرى أو نتيجة لها، وفي ذلك تحفيز لجميع الأفراد حتى يَهبّوا في وجه جميع أنواع المشكلات المختلفة.

    القضية الثالثة:قضية تصنيف مستويات المشكلات الاجتماعية:

    وقد صُنفت المشكلات بحسب مستوياتها في علم المشكلات الاجتماعية، ومن ذلك: تصنيف مانز (Manis) للمشكلة الاجتماعية، وهو على النحو الآتي([24]):


    1. مشكلات من الدرجة الأولى: وهي التي تؤثر بصورة قوية في الظروف الاجتماعية المحيطة بها، وذات نتائج متعددة ومؤثرة في المجتمع، ومن أمثلتها: الحرب، التمييز العنصري، الفقر.

    2. مشكلات من الدرجة الثانية: في الظروف والنتائج الضارة التي تنتج بصفة أساسية عن المشكلات الاجتماعية المؤثرة، والتي يتولد عنها بدورها مشكلات إضافية أخرى.

    3. مشكلات الدرجة الثالثة: فهي تلك الظروف الضارة، التي تعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتاجاً للمشكلات الاجتماعية الأساسية من الدرجة الأولى.

      وهناك تصنيفات أخرىقُسمت المشكلات الاجتماعية إلى مستويات أربعة، قد تتداخل وقد يكون بينها تأثيرات متبادلة، وهي([25]):


  1.  المستوى الفردي والشخصي: وهي المشكلات التي تصيب آحاد الأفراد في المجتمع، ويمثل هذا المستوى الانحراف، وتعاطي المخدرات، والمشكلات النفسيّة والصحيّة.

  2.  مستوى الفئات الاجتماعيّة: هي المشكلات التي يتعرض لها الأفراد نتيجة لانتمائهم لفئة اجتماعيّة ما، بعضها موروث كالجنس واللون، وبعضها مكتسب كالمهن، مثل: مشكلات الطفولة.

  3.  مستوى المؤسسات والمجتمعات: وهذا المستوى أوسع من سابقه ومن أمثلته: الترهل الإداري، والفساد، والاستبداد، والمشكلات الاقتصاديّة، ومشكلات الأسرة، ومشكلات التعليم.

  4.  المستوى الإقليمي والعالمي: ويقصد بها المشكلات التي تصيب الأفراد والمجتمعات الإنسانية، ومنها: الترف، وأخطار الحروب، والنزاعات، والعنصريّة، والاستغلال، ومشكلات المياه والسكان.

    القضية الرابعة:قضية التراكم المعرفي لعلم المشكلات الاجتماعية:ختاماً ينبغي التأكيد على أنه مهما اختلفت الأنواع وتداخلت، فالمهم هو مواجهة المشكلات والتصدي لها، بشرط الانضباط بمعايير محددة لا تتغير ولا تتبدل، حتى يتم تشكيل التراكم المعرفي لعلم المشكلات الاجتماعية، كما أن في المقابلة توظيف واحتواء للقدرات والإمكانات الموجودة عند الباحثين من أجل الوصول إلى حل المشكلات الاجتماعية لتكوين حياة إسلامية أكثر تقدماً، ويمكن الجمع بين أنواع المشكلات بشكل عام في مخطط مقترح يُبيّنها في الشكل الآتي:

    الشكل (1) يُبيّن أنواع المشكلات الاجتماعية ومستوياتها.

       

    أنواع المشكـــــلات الاجتماعية ومستوياتها

مشكلات طبيعية


مشكلات اجتماعية

مشكلات شخصية


مشكلات جماعية


من الدرجة الأولى


من الدرجة الثانية


من الدرجة الثالثة


من الدرجة الأولى


من الدرجة الثالثة


من الدرجة الثانية


سببها الفرد

سياسية، اجتماعية، اقتصادية

سببها التركيب الاجتماعي

سياسية، اجتماعية، اقتصادية


     ودراسة المشكلات الاجتماعية في الاسلام قد تمرّ بثلاث مراحل، هي:


المرحلة الأولى: مرحلة الانتقال من الغياب إلى الحسّ الاجتماعي، وفي هذه المرحلة تمركز الإصلاح حول الانتقال من الغياب في القضايا الذاتية، ومن العصبيات الفردية والأسرية إلى الحسّ بالحاجات العليا المشتركة والتحديات المصيرية في المجتمع.


المرحلة الثانية: مرحلة الانتقال من الحسّ إلى الوعي الاجتماعي، وفي هذه مرحلة لا بدّ من توافر عناصر أساسية لإنجاحها، مثل: المعرفة، والنفوذ الاجتماعي، والإمكانيات، وغيرها.


المرحلة الثالثة: مرحلة الانتقال من الوعي الاجتماعي إلى التطبيق، حيث أضاف النُّورْسي بُعداً تربوياً جديداً إلى مفهوم المشكلات الاجتماعية، فينظر إليها من زاوية المُربّي الحريص على مصلحة الأفراد والجماعات، مستخدماً الأساليب المناسبة لحال الذين يعانون من المشكلات الاجتماعية.


ثالثاً: القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر


طبيعة القيم في نظر الإسلام: ‏


إن النظرة الإسلامية للقيم تتصف بالكمال، لأن مصدرها هو الله عز وجل الذي يعلم خبايا الإنسان والكون وسننه، التي في إطارها يتحرك الإنسان ويمارس وظيفته في الحياة: يقول تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف) (الملك : 14)، وقال: (يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور) (غافر: 19)،فالإسلام الذي حرر الإنسان من عبودية نفسه، ومن الغرور، أمده بالتصور الصحيح، وحدد له الضوابط التي ينبغي أن يقف عندها، إذا هو أراد أن يحترم عقله ونفسه، والتي إذا تجاوزها طيش أو غرور، وقع لا محالة في تناقضات صارخة، وحكم على نفسه بالتيه والضلال. ‏


نخلص إلى القول بأن العلاقة بين الثقافة والقيم التربوية علاقة وثيقة لا تقبل الانفصام. فالقيم التربوية لا بد لها من جذور تستمد منها قوام حياتها وتصورها العام، الذي هو مبرر وجودها، وإلى أن تلك القيم بطبيعة تكوينها وما تحمله من شحنات مثيرة لفعاليات الإنسان وقواه، لا بد أن تطبع سلوكه بطابع معين يتناسب مع تلك الشحنات ودرجتها من القوة أو الضعف، أو من السلامة أو الشذوذ. وكم هو دقيق ذلك التشبيه الذي وضعه مالك بن نبي رحمه الله للثقافة حيث يقول: (وإذا أردنا إيضاحًا أوسع لوظيفة الثقافة، فلنمثل لها بوظيفة الدم، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد من "البلازما" ليغذي الجسد.. فالثقافة هي ذلك الدم في جسم المجتمع، يغذي حضارته، ويحمل أفكار "العامة"، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة والاتجاهات الموحدة والأذواق المتناسبة).


وإذا كانت الثقافة -إذن- بمثابة الدم الذي يسري في أوصال المجتمع، فإن حال ذلك المجتمع تكون رهينة بطبيعة ذلك الدم، فإن كان نقيًا مبرأً من جراثيم الفساد، محملاً بعناصر القوة والعافية، عاد على المجتمع بالقوة والنماء، وإن كان مشحونًا بجراثيم الفساد والمرض وأخطرها فيروس انعدام المناعة، آلت حالة المجتمع إلى التآكل والانهيار.


أثر القيم الاسلامية على المجتمع


لا شك أن التصور الذي يحمله الإنسان، ونظام القيم الذي يرتبط به، يترك أثره في سلوكه سلبًا أو إيجابًا، وينعكس ذلك الأثر -بطبيعة الحال- على سير المجتمع وبناء الحضارة برمته.


 فما هي آثار القيم الإسلامية في بناء الشخصية وبناء المجتمع؟ يمكن الاجابة عن السؤال السابق بالنقاط الآتية:‏


  1. بيان آثار القيم التربوية الإسلامية في الشخصية الإنسانية.


إن أول شيء تثمره القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان المسلم هو تقوية صلته بالله عز وجل، إلى الدرجة التي تجعله يراقبه في السر والعلن، في كل حركاته وسكناته، فهو لا يقدم على شيء إلا وهو يراعي حرمة الله ويرجو له وقارًا.


ومعنى ذلك أن المسلم في علاقته بربه، يستشعر الخشية والخوف منه، في نفس الوقت الذي يتوجه إليه بالرجاء.. وذلك الخوف وهذا الرجاء يملآن قلبه بشعور عارم من التحرر من جميع المخاوف، لأنه يشعر بقوة أن الله وحده هو مالك أمره ومقرر مصيره، وإليه يرجع الأمر كله، هو الذي يملك تبارك اسمه أن يضره وأن ينفعه، أما غيره فأسباب عرضية ليس لهـــا من الأمر شيء.


وهكذا فإن المســـلم الذي يتشـــبع بقيم الإسلام يتحــرر من الشعور بالخوف على الحياة، أو الخوف على الرزق، أو الخوف على المكانة والمـركز، فالحياة بيـــد الله، ليس لمخلوق قـــدرة على أن ينقص هذه الحياة ساعة أو بعض ساعة، يقول تعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) (التوبة : 51). ‏


كما أن القيم التربوية الإسلامية قد صنعت من الأفراد الذين تشبعوا بها كائنات فذة، تحمل من عناصر القوة والحيوية ما استطاعوا بفضله أن يواجهوا تبعات الحياة ومشاق السير في دروبها الوعرة... فإذا كان المجتمع ليس في حقيقته سوى مجموعة الأفراد الذين يتألف منهم، فمعنى ذلك أننا بإزاء مجتمع متماسك البنيان.


  1. بيان ذلك الأثر في بناء المجتمع. ‏


إن كل الآداب والأخلاق والتشريعات التي جاءت في القرآن الكريم ذات صبغة اجتماعية واضحة، والهدف منها تنظيم الحياة في المجتمع الإسلامي على أساس مبادئ العدل والمساواة والحق التي جاء بها الإسلام.


لذلك فإن مجتمعًا تسري في أوصاله مثل تلك القيم، لا يمكن أن يتسرب إليه الوهن والاختلال، لأن أفراده لا يكتفون بالوقوف عند حدودهم، فذلك حد أدنى، بل إنهم يتجاوزون ذلك إلى تقديم العون إلى بعضهم بعضًا، وتفريج كرب بعضهم بعضًا، عملاً بما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومَنْ فرّجَ عن مؤمنٍ كربةً مِنْ كربِ الدنيا، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة). ‏


لذلك كان المجتمع المسلم راسخ الأركان، سائر إلى الأمام، مضطرد النمو، لأن الإسلام يعتمد في بنائه للمجتمع على أفراد أقوياء النفوس ممتلئين بالعزم والقدرة على الثبات. فكلما كان الطابع الغالب على المجتمع طابع سيادة القيم، كلما كانت شبكته الاجتماعية شبكة متينة الإحكام. ‏






([2])


([3])سوسيولوجيا، أو علم الاجتماع: وفيه يُدرس المجتمع كنسق كلّي موحد، وكذلك المؤسسات والعمليات والجماعات، الاجتماعية المفردة، المأخوذة من ارتباطها بالكل الاجتماعي، وقد أدخل مصطلح السوسيولوجيا أوغست كونت في أواسط القرن التاسع عشر، ويتشعب هذا العلم اليوم إلى أكثر من أربعين فرعاً منها: علم الاجتماع الحضري، علم الاجتماع الريفي، علم الاجتماع المعرفة، علم اجتماع العنف، علم الاجتماع الطب، علم الاجتماع التربوي، أنظر: يفريموفا، ناتاليا. سلوم، توفيق،معجم العلوم الاجتماعية، بيروت، دار التقدم- موسكو، ط1، 1992، ص408، بتصرف.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن "المقدمة" للعلامة ابن خلدون، تُمثل علماً جديداً وسوسيولوجيا صريحة شكلاً ومضموناً، وقد نعت هذا العلم "بعلم العمران البشري". انظر: عيسى، إبراهيم عبدالله،المنهجية المعاصرة لدى ابن خلدون، د.ط، اتحاد الأدباء العرب، صنعاء، 2006م، ص89.

([4])الباثولوجيا الاجتماعيةSocial Pathology:يقابل علم الأمراض (الباثولوجي) في الطب، لأنه يقوم بتشخيص الأمراض الاجتماعية الناجمة عن التغيرات التي تحصل دائماً وبشكل مستمر، ويُسمى علم المشكلات الاجتماعية بعلم العلل الاجتماعية،انظر: كمال، طارق،العلاقات المشتركة بين علم الاجتماع والمشاكل الاجتماعية، د.ط، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، 2009م، ص8، بتصرف.


.

.


الملفات المرفقة

الساعات المكتبية

الأحد: 10 - 12
الاثنين: 8 - 1
الثلاثاء: 8 - 1
الأربعاء: 8 - 10
الخميس: 8 - 12

 * تحويلة المكتب: 4895

         [email protected]

الجدول الدراسي

اليوم

8-10

10-12

12-2

الأحد

أصول التربية الاسلامية

تقنيات التعليم

الاثنين


الثلاثاء


الأربعاء

الإدارة والتخطيط التربوي

الخميس

المناهج التعليمية


 

كتب الكترونية

مواعظ وحكم

بوابة جامعية مهمة

 





التقويم الجامعي 1435

تقويم العام الجامعي

الوصول إلى البريد الالكتروني

البريد الإلكتروني

أوقات الصلاة

المكتبة التربوية الإسلامية

  •  البرنامج التطويري \"صناع التميز\"
  •  لمحات عن منهج القرآن الكريم في البناء التربوي ومعالجته
  •  تجربة المملكة في الرقي بالمستويات القرآنية في حلقات تحفيظ القرآن الكريم
  •  الجانب الخلقي من سورة القلم
  •  الجبال الرواسى فى حفظ وتثبيت كلام رب الناس
  •  تعظيم التوحيد في نفوس الصغار
  • لوحات تربوية
  •  كان صلى الله عليه وسلم
  •  دليل المعلم لحل مشكلات الانضباط في المرحلة الابتدائية
  • المحاضن التربوية والدور المفقود
  • البرنامج التطويري \"بصمة نجاح\"
  •  كيف تعلم الإيمان للنشء في تسعين دقيقة
  •  المدرس ومهارات التوجيه
  •  مجموعة من الأسئلة التربوية
  • رسالة إلى طالب نجيب
  •  مع المعلمين
  •  التربية الذاتية من الكتاب والسنة
  • 92 طريقة لتعويد أولادك على الصلاة
  •  المشكاة في تربية الضغار على الصلاة
  •  الطريق إلى الولد الصالح
  •  100 فكرة لتربية الأسرة
  •  كيف نربي أبناءنا تربية صالحة
  •  الإجمال في تربية الأجيال 230 وقفة في تربية الأبناء
  • طفلك من الثانية إلى العاشرة توجيهات تربوية
  • كيف نربي أولادنا وما هو واجب الآباء والأبناء
  •  مختصر كتاب 100 فكرة لإدارة سلوك الطلاب والطالبات
  •  كن نافعاً أين ما كنت
  •  محاسبة النفس
  • المسارعة إلى الخيرات
  •  فضل حسن الخلق
  •  التأسي بالسلف الصالح
  •  حاجتنا إلى الرقائق
  •  مراقبة الله في الخلوة
  •  بناء النفس
  •  من مشكلات الشباب
  •  حقوق الأخوة
  • ـتربية الأولاد على الآداب الشرعية
  •  الاستقامة حقيقتها أسبابها أثارها
  • تعليم الصبيان التوحيد
  • الاختلاف في العمل الإسلامي
  • وسائل الثبات على دين الله
  • ـظاهرة ضعف الالتزام
  • مسايقات هادفة

    مراكز مفيدة

    مركز الفكر الناجح للتنمية البشرية

    مركز اكمي كونز للاستشارات ACMECONS CONSULTANTS

    مكتبة التنمية البشرية

                       

    مهارات التميز الدراسي
    خطط لحياتك
    بناء تقدير الذات
    الإبداع والتفكير الإبتكاري
    مهارات الإتصال الفعال
    إدارة الوقت
    تشخيص المشكلات وإتخاذ القرارات ( دورة للطلبة )
    قبعات التفكير الست
    إدارة وتفعيل الذات
    قيادة الذات لتحقيق التفوق
    كن الأول
    فكر بإيجابية
    إدارة الصف
    مهارات الإشراف التربوي الفعال
    المدرس الفعال
    نظريات ومفاهيم ومبادئ التعلم الفعال
    المدير التربوي الفعال
    الجودة الشاملة وتطبيقاتها في المجال التربوي
    مدير المدرسة متعدد القدرات
    استراتيجيات الذكاء العاطفي وتطبيقاتها في التعليم
    التخطيط الاستراتيجي لمديري ومديرات المدارس بالاستناد إلى معايير ضمان الجودة الشاملة
    تنمية القدرات الإبداعية لدى الأطفال
    تنمية مائة مهارة في الأسئلة الصفية
    عادات العقل
    تنمية المهارات الإبداعية في إدارة الأنشطة الطلابية
    تفكير القبعات الست وتطبيقاتها في المناهج
    تنمية مهارات التخطيط الإستراتيجي للقيادات التربوية
    مهارات التفكير الناقد والتفكير الإبداعي ودمجها في المواد الدراسية

    اعلان مهم

    الى طالبات مقرر تقنيات التعليم :

    مرفق لك المحاور الأساسية التي يتم عرضها في المحاضرات من خلال العروض التقديمية1436

    كما ادرجت درجات الاختبار الاول والثاني 1436


    وادعو الله لكن بالتوفيق


    إعلان

    الى طالبات مناهج تعليمية

    مرفق لك فصل التقويم وفصل الاتجاهات العالمية 1436

    وقد ادرجت درجات الاختبار الاول والثاني 1436 الفصل الثاني

    وادعو الله لكن بالتوفيق

    إحصائية الموقع

    عدد الصفحات: 50

    البحوث والمحاضرات: 78

    الزيارات: 14929