مقالات

من أعاجيب القصص (قصة أصحاب الكهف)

الحمد لله والصلاة السلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالمتأمل لسورة الكهف يرى أنها تناولت أربع فتن في أربع قصص؛ وهي:

1- فتنة الشرك في قصة أصحاب الكهف.

2- فتنة المال في قصة صاحب الجنة.

3- فتنة العلم في قصة موسى مع الخضر.

4- فتنة الملك في قصة ذي القرنين.

ولذلك فلا عجب أن نجد من خواص هذه السورة الكريمة ومن جملة فضائلها أنها عصمة لقارئها من الفتن:

فعن أَبي الدرداء _ أَن النبي ‘ قال: "مَنْ حفظ عشر آيَاتٍ من أَوّلِ سورة الْكَهْفِ عُصِمَ من الدّجّال" رواه مسلم، وكل هذه الفتن موجودة مع الدجال أعاذنا الله من فتنته وجميع الفتن.

وقد سبق في عدد مضى التأمل في قصة موسى مع الخضر، وهنا سيكون مع قصة أصحاب الكهف، وهي من أعجب القصص، إنها قصة تصور لنا حقيقة الثبات على المنهج الحق.

إنها قصة فتية أوذوا بغير حق، ولجئوا إلى غارٍ في جبل؛ فمكثوا فيه نياماً ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله بعد تلك المدة الطويلة.

إنها قصة لا تخفى على من قرأ القرآن، كُلّما تلاها المسلم ازداد منها عجباً، وأخذ منها عبراً، وهكذا قصص القرآن لا تنقضي عجائبها، ولا تنتهي عبرها.

فلنقف معها وقفات يسيرة، علّ الله أن يرزقنا تدبر آياته، وفقه كلامه:

الوقفة الأولى/ قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ:

فالقرآن الكريم كتاب الحق نزل بالحق على قلب رسول الله ‘ الذي لا ينطق إلا بالحق وقصصه الحق وكل ما فيه من حكم وأحكام وعبر وعظات ووعد ووعيد هو الحق من عند الله.

والذي يقص نبأهم هو العليم بحالهم، المدبر لشؤونهم، وفي هذا تشويق للقارئ؛ حين يسمعها من المولى عز وجل، وفي التعبير بالنبأ: إشارة إلى أن قصتهم لها شأن عظيم وخطب جليل.

الوقفة الثانية/ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾:

إشارة إلى حداثة سنهم وفتوتهم، وطاعتُهم لربهم في هذه المرحلة المهمة في حياة الإنسان -مرحلة الشباب-، وهى مرحلة البذل والعطاء، ومرحلة القوة والحماس، وحين ينشأ الشاب فى رحاب القرآن ويحيا تحت ظلال الإيمان فإن جزاءه يوم القيامة أن ينعم بظل الرحمن ، قال ‘: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله ... )) الخ الحديث المتفق عليه. وفيها أن الإيمان يزيد وينقص، فيحرص المؤمن على زيادته وتعاهده.

الوقفة الثالثة/ أهمية اجتماع الكلمة والدُّعاء والالتجاء إلى الله تعالى وبخاصّةٍ في أوقات المِحن:

تأمل حال هؤلاء الفتية اجتمعت كلمتهم واشتغلوا بالدعاء ولجئوا إلى الله تعالى فقالوا: {ربّنا وفي التعبير بعنوان الربوبية تأدب مع الله تعالى، ﴿آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً}، وفي هذا درس عملي للدعاة والمصلحين أن لا يغفلوا عن سلاح الدعاء مع مراعاة الأدب مع الله، وانتقاء العبارات المناسبة فلكل مقام مقال، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية أدعية مباركة لها دلالتها وخواصها وآثارها وفعاليتها، فأهل الكهف التمسوا أمرين مهمين هما: رحمة الله بهم وإرشاده لهم، وفي طلبهم للرحمة مع الرشاد ما يدل على أنهم ماضون في طريق الحق ثابتون عليه مهما كلفهم من تضحيات.

فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة وبين تضرعهم وسؤالهم الله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم، ما لم يكن في حسابهم.

الوقفة الرابعة/ أحسن طريق للنجاة الفرّارَ بالدين من الفتن:

يقول الشيخ السعدي رحمه الله: (في هذه القصة، دليل على أنّ من فرَّ بدينه من الفتن سلّمه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله وجعله هداية لغيره. ومن تحمّل الذي في سبيله، وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم، ورزقه من حيث لا يحتسب ﴿وما عند الله خير للأبرار})اهـ.

الوقفة الخامسة/ معية الله لعباده المؤمنين، واستجابته لمن دعاه، وتنوع آلائه وألطافه:

فهؤلاء الفتية دعوا ربهم: {ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً} فلمّا جمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، وبين الثقة بالله أنّه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً، فحفظ أديانهم وأبدانهم ويسر لهم كل سبب، والله عند ظن عبده به، فلمّا طلبوا الرحمة والرشد، نشر لهم من رحمته {ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً}.

وما حدث لهم من لطائف ربانية ومنن إلهية من آياته عز وجل الدالة على عنايته بأوليائه وحفظه لهم، هي شاهدة بكمال قدرته، وجلائل نعمه ولطائفه التي لا تحصى ولا تعد.

الوقفة السادسة/ من أحب أهل الخير نال من بركتهم، ومن صاحب الأخيار ذُكر معهم:

قال القرطبي رحمه الله: (إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدَّرجة العُليا بصحبته ومخالطته الصُّلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين، المحبين للأولياء والصالحين؛ بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين على درجات الكمال، والمحبين للنبي ‘ وآله خير آل).

الوقفة السابعة/ الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه، المُحيط بكل شيء علماً:

فأصحاب الكهف لمّا حصل لهم نوع تردد في مدة لبثهم، ردّوا العلم إلى علاّم الغيوب، {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم}، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، وبخاصّة من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً.

الوقفة الثامنة/ ذكر الشيء لا يدل على عدم ذمه:

وذلك أن الله تعالى قال: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً} أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم.

كما قال الشيخ السعدي رحمه الله: (وهذا الحالة محظورة نهى عنها النبي ‘، وذم فاعليها ولا يدل ذكرها على عدم ذمها، فإن السياق في شأن أهل الكهف والثناء عليهم، وأنّ هؤلاء وصل بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجداً).

الوقفة التاسعة/ في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾:

جواز الوكالة في البيع والشراء والشركة في المطعم والمشرب، قال القرطبي رحمه الله: (في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها).

وفيها أيضاً من آداب الصحبة: إسداء النصح وتقبله وحسن الحوار وترك الجدال، ومراعاة الحذر والحيطة، وأن التوكل على الله عز وجل واليقين به لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب.

وفيها أيضاً: جواز التمتع بالطيبات كالماء البارد واللحم والفاكهة وغير ذلك، مع القصد والاعتدال، ولا يتنافى هذا مع الزهد والورع.

الوقفة العاشرة/ البعد عن الخوض فيما لا تُدركه العقول وترك المراء فيما لا طائل وراءه:

وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف أرشد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم {قل ربي اعلم بعدتهم ما يعلمهم إلاّ قليل فلا تُمارِ فيهم إلاّ مراءً ظُهراً}.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله: (أمّا المماراة المبنية على الجهل والرّجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها إمّا أن يكون الخصم معانداً، أو تكون المسألة لا أهمية فيها، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك، فإنّ في كثرة المناقشـــــات فيها، والبحوث المتسلسلة تضييعاً للزمان، وتأثيراً في مودة القلوب بغير فائدة).

الوقفة الحادية عشر/ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾:

وذلك أن المفتي لابد وأن يكون أعلم من المستفتى، والأمر بالعكس في قصة أصحاب الكهف ففيما قص الله على نبيه ‘ ما يغنيه عن سؤال من لا علم له.

وهذا من أدب المسلم: أن لا يستفتي أحداً من خلق الله إلا أهل العلم بالفتوى.

الوقفة الثانية عشر/ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا:

نزلت لما سأل أهل مكة النبيََّّ ‘ عن أهل الكهف والروح وذي القرنين، فوعدهم بالجواب عن سؤالهم من الغد، ولم يَقُل: (إن شَاءَ الله) فلم يأته جبريل عليه السلام بالجواب إلا بعد خمسة عشرَ يوماً.

قال ابن كثير رحمه الله: (هذا إرشاد من اللّه تعالى لرسوله ‘ إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة اللّه عزَّ وجلَّ علام الغيوب).

﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ لأن المرء معرض للنسيان فشرع الله لمن نسي -أن يقول إن شاء الله- أن يذكر ربه.

وهذا درس للجميع بربط كل ما هو متوقع الحصول بمشية الله تعالى، والتماس العون من الله والتوفيق والسداد، وطلب الهداية والرشاد، نسأل الله أن يهدينا سبيل الرشاد.

هذه بعض الوقفات والتأملات مع هذه القصة العظيمة، ومن قرأ في تفسيرها وجد خيراً كثيراً، نسأل الله أن يعيننا على فهم كتابه وتدبره والعمل بما فيه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب/ راشد بن حمود الثنيان

(19 رجب 1429هـ)

تفضل بزيارة موقع جامعة المجمعة

للتواصل

0164043838

[email protected]

تويتر  [email protected]


شرف العلم

شرف العلم بشرف المعلوم

تابع محاضراتك

استمع لكلام الله

القرآن الكريم هنا مباشر

تابعني في تويتر

 












موقع الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه (تبيان)

http://www.alquran.org.sa/main/




إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 32

البحوث والمحاضرات: 26

الزيارات: 9772