Wadha Abdullah Alshaibani

كلية العلوم والدراسات الانسانية بحوطة سدير

الرئيسية


ريشة في الهواء هائمة في الخلاء تحملها الرياح من مكان إلى مكان . تحط هنا أو هناك .. فوق عشب أخضر مغسول بماء الندى, أو فوق الوحل .. تقع يد إنسان رقيق المشاعر , فيمسكها برفق ويحفظها في كتاب .. أو تقع تحت أقدام إنسان مهرول فيدوسها بالإقدام.

هذا هو أنت .. وأنا , وكل إنسان في الوجود ! .. ريشة في هواء الكون تحملها رياح الأقدار , وتتحكم في مصائرها فتحمل لها السعادة أو الشقاء.

هل شاهدت ذلك الفيلم الأمريكي الجميل((فورست جامب)) ؟.

إنه يحكي قصة صبي شبه متخلف ذهنياً, بطيء الفهم , محدود الذكاء.. أحبته أمه حباً صادقاً, وحرصت على تعليمه في المدارس العامة وليس في مدارس المتخلفين , وأشعرته دائماً بأنه طفل عادى , لا يختلف عن الآخرين في شيء .. لكن زملاءه - كعادة الأطفال في أعمارهم الصغيرة -لا يقدرون له ظروفه الخاصة .. ولا يتورعون عن السخرية منه والاستهزاء به , ما عدا طفلة صغيرة اسمها ((جيني)) , ظروفها العائلية مؤلمة , تترفق به وتعامله معاملة طيبة ,فتصبح صديقته الوحيدة في الحياة بعد أمه.

وهو صبي مسالم , سليم الطوية, يحب الدنيا والناس, ولا يحمل ضغينة تجاه أحد, ولا يتأخر عن مساعدة أي إنسان , فلماذا يضطهده هؤلاء الاصدقاء؟.

لقد اعتادوا أن يتحرشوا به .. ويطاردونه ليضربوه ,فلا تملك صديقته الطفلة إلا أن تهتف به صارخة كل مرة ((إجر..فورست.. إجر..)) , ولأنها صديقته .. إذن فهي تريد مصلحته .. وما دامت تطلب منه الجري , إذن فليجر , رغم الجهاز التعويضي الذي يستعين به على تقويم ساقيه , فراراً من الأولاد المشاغبين , فيكون اضطهاد هؤلاء الصبية له سبباً خفياً لخير عميم كان ينتظره في عالم الغيب.

لقد تخلص من هذا الجهاز إلى الأبد , وأصبح يمشي ويجري كغيره من الأطفال . وكما كان اضطهاد هؤلاء الصبية له في طفولته سبباً في تخلصه من ساند الساقين , فلقد كان اضطهادهم له وهو طالب بالمدرسة الثانوية سبباً آخر في خير لم يخطر له على بال .. فلقد كان يتمشى ذات أصيل مع صديقته الوحيدة ((جيني)) , فظهر نفس هؤلاءالاصدقاء مرة أخرى , وبعد أن كانوا يطاردونه في طفولته بالدراجات , فيجري بكل قوته ويسبقهم..جاءوا هذه المرة يركبون سيارة .. فصرخت صديقته كالعادة : إجر فورست إجر , فجرى بكل قوته , ولاحقه الآخرون بسيارتهم , فاضطر إلى أن يقتحم ملعباً للرجبى , أي ((الكرة الأمريكية)) خلال مباراة رسمية , واخترق المستطيل الأخضر بسرعته الخارقة فسبق كل اللاعبين .. وأذهل مدرب الفريق!. إن لعبة الرجبى تعتمد على السرعة المطلقة .. فاللاعبون يسلمون الكرة لأسرعهم , ويطلبون منه أن يجري بأقصى سرعة ليصل بها إلى خط النهاية , ويحاول لاعبو الفريق الخصم أن يعرقلوه خلال الطريق, ويستردوا منه الكرة قبل أن يعبر الخط!.

إذن .. هاتوا الشاب الأحمق الذي يجري بسرعة رهيبة !. أصبح فورست لاعبا أساسيا في فريق المدينة للرجبى .. يسلمه اللاعبون الكرة ويقولون له : إجر فورست !, فيصدع بالأمر, ويجري كالفهد . وهيهات أن يلحق به أحد.

لقد كان زملاء المدرسة يؤذونه , ويطاردونه.. فإذا بهذا الأذى يطلق إحدى مواهبه , ويحمل إليه الخير العميم .. فقد أصبح نجما من نجوم الكرة الأمريكية ((الرجبي)) . وبفضل تفوقه في هذه اللعبة , ألحقوه بالجامعة مجانا .. وساعدوه على نيل شهادته منها , وأعطوه مرتباً كبيراً ومكافآت سخية لا يدري هو من أين جاءته , ولا لماذا يعطونها له ؟.

بعد الجامعة , أدى الخدمة العسكرية .. وذهب مع القوات الأمريكية إلى فيتنام , وحين نزل في المطار وركب سيارة الأتوبيس العسكرية ليذهب إلى وحدته, لم يرحب أحد من الجنود الأمريكيين بجلوسه إلى جانبه , سوى عسكري زنجي الملامح اسمه ((بوبا)) , فجلس إلى جواره .. وأصبح منذ تلك اللحظة صديقة الوحيد في الحياة بعد أمه وبعد ((جيني)) , يتدربان معاً ويتناولان طعامهما ويتسامران ,

أو يتحدث ((بوبا)) على الأصح ويسمع فورست, لأنه لا يتكلم عادة إلا لضرورة القصوى. وبوبا عامل على مراكب صيد الجمبري , ويحلم بأن يشتري بمكافأة نهاية الخدمة العسكرية مركبا صغيراً لصيد الجمبري ,ويعرض على فورست أن يشاركه في هذا المشروع بعد انتهاء خدمتهما , فيجيبه بالموافقة ! . لماذا وافق؟ . وهل صيد الجمبري هو طموحه في الحياة ..؟ . هل أجرى حسابات اقتصادية للمشروع , فأغرته بالموافقة عليه؟ . لا شيء من ذلك لكن بوبا صديقه, وما دام صديقه , فهو يريد الخير له , كما أنه يعرف أكثر منه ..إذن فهو موافق بلا مناقشة , ولا حسابات , ولا تخطيط مسبق ! .. وهل كان يخطط من قبل لأن يكون لاعب كرة معروفا, وهو الذي لم يلعبها قبل ذلك , ولم يكن يعرف حتى قانونها ؟.

إنه ريشة في الهواء تحركها رياح الأقدار كيفما تشاء.ومادام سليم الطوية , ويحب الخير للآخرين , فلماذا يخاف من المستقبل ؟.

وبسبب صداقته لبوبا ..أصبح فورست - شبه المتخلف ذهنياً- بطلا قومياً في أمريكا , من حيث لم يرغب أيضاً ولم يخطط لذلك .. فلقد وقعت وحدته العسكرية في كمين في أدغال فيتنام , وانهال القصف الوحشي عليها, فكاد يبيدها عن آخرها .. ونجا فورست بسرعته المذهلة في العدو .. لكن أين بوبا ؟. إنه لا يزال في دائرة القصف والموت , وهو صديقه , فهل يتخلى عنه ؟ .فليعد إذن إلى الكمين , ويتعرض لخطر الموت لينقذ صديقة .. ورجع بالفعل, وقبل أن يجد ((بوبا)) سمع أنينا خافتا من أحدى الجهات , فتوجه إلى مصدره , فإذا به أحد زملائه الجنود الجرحى, فلم يتردد في حمله على كتفيه , والعودة به عدوا, إلى أن وضعه في مكان آمن .. ورجع لينقذ بوبا , فسمع صراخ جندي آخر يستنجد به, فأنقذه , ورجع به إلى الأمان , ورجع من جديد لينقذ صديقه .. فأنقذ ثالثا , ورابعا , وخامسا , بينهم الضابط قائد فصيلته .. قبل أن يعثر على بوبا مصابا إصابة خطيرة ويرجع به إلى الأمان .. فلا يطول بقاؤه على قيد الحياة.. ويموت على صدره , ويبكيه صديقه الأمين بحرارة تذهله حتى عن إصابته هو نفسه برصاصة في ظهره!



لقد أراد إنقاذ حياة صديقه , فأنقذ ستة من زملائه من الموت , وأصبح بطلاً قومياً , وفوجئ وهو بالمستشفى بمن يبلغه بأنه قد حصل على ميدالية الشرف العسكري , وبأنه سيكون أحد من يستقبلهم رئيس الولايات المتحدة ويصافحهم بنفسه عند عودته لبلاده!.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستقبله فيها رئيس الولايات المتحدة مع غيره ويصافحه فيها بنفسه , ولن تكون أيضا الأخيرة , فقبل ذلك استقبله جون كنيدي ضمن لاعبي فريق ((كل الأمريكيين )) الذي يضم أفضل لاعبي الرجبى في البلاد! . وسوف يستقبله الآن ليندون جونسون , ويصافحه كبطل من أبطال الحرب , وسوف يستقبله أيضاً بعد فترة أخرى ريتشارد نيكسون , الرئيس الذي جاء بعد جونسون ضمن فريق تنس الطاولة , الذي كان أول فريق رياضي يزور الصين في بداية الاتصالات بين أمريكا والصين !.

لكن ما صلته هو بتنس الطاولة , وقد كان لاعب كرة أمريكية ؟ لقد تعلمها بالصدفة أيضا وهو مقيم بالمستشفى العسكري ليقطع بها أوقات فراغه الطويلة .. قال له الضابط:امسك المضرب هكذا .. اضرب به الكرة هكذا .. ففعل .. فإذا به يجيد اللعبة خلال وقت قصير ويتفوق فيها, وإذا به يؤدي فيها ألعابا استعراضية تثير متعة المشاهدين , فيلعب بمضربين , ولا يخطئ الكرة مهما كانت بعيدة, وإذا بهم بعد تنظيم جولة مباريات استعراضية له في الوحدات العسكرية , يختارونه ضمن فريق الولايات المتحدة الذي كلف بالسفر إلى الصين في أول لقاء رياضي بين البلدين بعد طول قطيعة !, مع أنه لم يخطط لذلك, ولم يكن يحلم به .. لكن يكفيه فقط أنه شاب طيب القلب , سليم الطوية , يؤدي كل ما يكلف به من مهام بكل ما يستطيعه من إجادة أما النتائج , فلا شأن له بها !.

لقد عاد إلى بلاده واشترى بكل ما كان معه مركباً صغيراً لصيد الجمبري وراح يجوب به البحر باحثاً عن رزقه , فلا تخرج الشباك إلا بحذاء قديم , أو بعض الأعشاب البحرية .. وقبل أن ييأس من المشروع نهائياً , انضم إليه مساعد جديد , فشد من أزره وأغراه بالاستمرار .. إنه الضابط الشاب الذي أنقذه فورست من الموت في فيتنام وبترت ساقاه وخرج إلى الحياة كارها كل شيء , حتى فورست نفسه الذي أنقذه من الموت لكي يعيش معاقاً , وقد كان أحرى به أن يتركه لمصيره المحتوم! وقد وعده بأن يعمل مساعداً له ذات يوم إذا اشترى سفينة الصيد التي يحلم بها .. وقد اشتراها بالفعل , فجاء ليفي بوعده.

ويهب إعصار ذات ليلة , فتفزع كل مراكب صيد الجمبري إلى المرفأ, تحتمي به منه , أما مركب فورست والضابط ((دان)) فتبقى في البحر وسط الإعصار الرهيب لسبب عجيب ! .. إن الضابط دان تتملكه رغبة انتحارية خفية في الموت , والتخلص من إعاقته وحياته المحطمة , أما فورست , فلا يسمح له مستوى ذكائه بتقدير حجم الخطر الذي يترصده في الإعصار , فيستجيب لدان حين يرفض العودة للمرفأ في بداية الإعصار .. ولا عجب في ذلك..فهو صديقه , وما دام  كذلك , فلابد أنه يريد له الخير!..وبدلا من أن تحقق رغبة دان الخفية في الموت يصمد المركب الصغير للإعصار , في حين تتحطم كل مراكب صيد الجمبري الأخرى وهي راسية بالمرفأ !.

وتخرج الشباك لأول مرة في مركب فورست بصيد وفير , وينفرد فورست وحده بالعمل في صيد الجمبري لفترة غير قصيرة , في حين تتوقف المراكب الأخرى , فيربح الكثير والكثير , ويؤسس –بمساعدة ((دان))- شركة للصيد و ويمتلك 12 مركباً يديرها عنه ((دان)) الذي استرد الآن رغبته في الحياة !.

ويسمى فورست شركته باسم ((بوبا – جامب)), لأنه قد أشرك معه في ملكيتها أسرة صديقة الأسود صاحب الفكرة , وأعطى لأمه وإخواته أرباح أسهمه !

إن هذه القصة خيالية , لكن شبيهاتها وأشباه فورست في الحياة كثيرون . والتسليم بهذه الحقيقة لا يتعارض أبداً مع التسليم بدور الإرادة والكفاح والإصرار في صنع النجاح , وإنما يضيف فقط إلى هذه العوامل الأساسية عاملاً أهم وأعمق أثرأ , هوعامل التوفيق الإلهي, وضرورة التسليم بالإرادة الإلهية في كل ما يصيبنا من خير أو فشل .

 

ألست تعد أحيانا عدته .. وتخطط له جيداً, وتجرى له كل الحسابات الدقيقة , ثم تفاجأ  في النهاية بنتائج مخالفة تماما لكل ما سعيت إليه , رغم الإعداد الجيد والتخطيط المحكم؟ . وهل يعني ذلك ألا نخطط , وألا نجري حساباتنا لكل شيء قبل الإقدام عليه ؟ أبدا..أنه يعني فقط أن ندرس جيداً كل الاحتمالات , ونجري كل الحسابات , ولكن بغير أن نبالغ كثيراً في التحسب للأشياء , وبغير أن نغالي كثيرا في التحوط والتردد والتحسب, ثم نحزن بعد ذلك  حتى الموت لكل فشل يصيبنا , كأنما نتجاهل عامل التوفيق الإلهي .. ونتجاهل أيضا أن هناك دائما ما يسمى ((بالألطاف الإلهية)) , وهو ذلك التدبير الإلهي , الذي قد يأتينا أحيانا بما نكره , ليحقق لنا فينا بعد أجمل ما نحب , لو صبرنا على ما كرهناه .. ولو لم نفقد إيماننا بأن كل ما يصيب  المؤمن خير,؟؟ إن أصابه خير شكر ,فكان خيراً له, وإن أصابه شر صبر .. فكان خيرا له, كما يقول مضمون الحديث الشريف.

ولأن بعض البشر قد لا يصدقون ذلك في بعض الأحيان ويتصورون في أنفسهم القدرة على كل شيء , ويتوهمون أنهم أحق وحدهم بالنجاح والتوفيق , لأنهم((الأذكى)) و((الأشطر )) والأكثر مكراً, فإن الله  سبحانه وتعالى قد يضع أمامهم وأمامنا أحيانا أمثال فورست جامب في الحياة , الذي نجح, من حيث لم يرد النجاح, ولا كان يقدر عليه,وأثرى من حيث لم يطلب الثراء , ولا كان يملك أسبابه , أو يقدر عليه,لكي يذكرنا بهذه الحقائق كلها وينبهنا إلى أن نقف عند ((حد الأدب)) حين نرى هذه النماذج في الحياة , فلا نتساءل كيف ينجحوا وفشلنا .. أو كيف أثروا ..وعجزنا ونحن الأذكى .. والأقدر .. والأجدر بما نالوا من أسباب الحياة , وإنما نعمل ونكافح, وندعو الله أن يؤيد عملنا بتوفيق من عنده , ثم نرضى بعد ذلك بالنتائج كيفما جاءت , ونواجه الحياة وابشر بصدر سليم , فنطلب الخير لأنفسنا وللآخرين , ولا نستكثر على أحد ما سخت عليه به الحياة , لأنه سبحانه مالك الملك وواهب كل شيء .

إذن فكيف كان أصحاب الحيل سيتعجبون ويسلمون بالإرادة العليا التي فوق إرادتهم ,لو لم يكن في الحياة أمثال فورست ممن يرزقون وينجحون ويوفقون في حياتهم,وهم بلا حيلة , سوى توفيق ربهم لهم ؟




أرقام الاتصال

[email protected]

كتب مهمة في علم الرياضيات

http://www.uaemath.com/ar/aforum

كتب اعجبتني

1/ ديوان الامام الشافعي

2/ كتاب مع الله للدكتور سليمان العودة



موعد الاختبار

أختي الطالبه نفيدك ان موعد اختبار اعمال السنة الاول في الموعد التالي:

اختبار الاستاتيكا يوم الخميس الموافق 19/5

اختبار التفاضل (1) للشعبة (169) يوم الاربعاء 18/5

اختبار التفاضل للشعبة (360) يوم الخميس 19/5

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 3

البحوث والمحاضرات: 0

الزيارات: 2217