السياسةالقسم الثاني




وشرائع الأنبياء متفاوتة مع اتفاقهم على الدعوة لتوحيد الله سبحانه كما قال عز وجل ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( الأنبياء إخوة من علات أبوهم واحد وأمهاتهم شتى )
ومعنى إخوة من علات = أي إخوة غير أشقاء
ومما لا شك فيه أن الشريعة تتضمن الوفاء بجميع الأحكام التي يحتاج المسلمون لمعرفتها ، فدين الله كامل ، وشرعه تام كما قال سبحانه ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ، وقال سبحانه ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) وليس المراد بيان معنى كل واقعة ونازلة وإنما تضمن القرآن أحكاما وقواعد عامة يتعرف من خلالها العلماء على أحكام المسائل المستجدة والنوازل
ومما يؤكد صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ، وأن الأخذ بالكتاب والسنة فيه نجاة وسلامة من الضلال قوله صلى الله عليه وسلم : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي )
وما ينبغي التأكيد عليه أن الشريعة رحمة للبشر وليست عذابا ولذا راعت التخفيف على الناس ورفع الحرج ، وترتبط أحكامها بالقدرة والاستطاعة كما قال سبحانه ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقال ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )

طريق الوصول للأحكام الشرعية
الطريق الأساسي للوصول للحكم الشرعي في السياسة الشرعية من خلال الاجتهاد
والاجتهاد : بذل العالم وسعه في استنباط الحكم الشرعي لنازلة من خلال الأدلة الشرعية وقواعدها العامة

ومما يذكر في استخدام النبي صلى الله عليه وسلم للقياس والاستدلال الاجتهادي قصة الخثعمية التي قال النبي صلى لله عليه وسلم لها لما سألت عن وفاة والدها دون أن يحج : لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته عنه ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله أحق بالوفاء

واجتهاد العلماء في المسائل الشرعية على نوعين
النوع الأول : اجتهاد في فهم النص الشرعي واستخلاص الحكم منه
ويمثل لهذا بقوله سبحانه ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) في وجوب الإحسان إلى الوالدين
فمما لا شك فيه أن النهي لا يقتصر على التأفف أو نهر الوالدين أو أحدهما ، بل يتناول النهي عن كل فعل أو قول فيه إساءة ، وهذا ما يسمى عند الفقهاء وعلماء الأصول : دلالة النص أو فحوى الخطاب
ومن ذلك قوله سبحانه ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) فالوعيد لا يقتصر على من يأكل مال اليتيم بل يشمل من يعتدي على مال اليتيم بالإتلاف أو الاستيلاء بأي شكل كالاستيلاء على منزله واستخدامه للسكنى أو الاستيلاء على سيارته أو دابته ..

النوع الثاني : اجتهاد في استنباط الأحكام للوقائع التي لم يرد بحكمها نص أو إجماع أو قياس ، وهذا مقصود السياسة الشرعية ، ويستدل عليه بقصة معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وقال له : بم تقضي إن عرض لك قضاء ؟ قال معاذ : أقضي بكتاب الله تعالى ، ولما سأله النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد مستند الحكم في الكتاب والسنة ، قال معاذ : أجتهد رأيي لا آلو ( أي أبذل وسعي ) فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على كتفه وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله .

وطرق استنباط الحكم السياسي الأساسية : المصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والاستحسان
كما أن القواعد العامة في الشريعة كرفع الحرج والعدالة ونحوها مما يحقق المقاصد الضرورية أو بعضها تعتبر من الطرق التي تدعم استنباط الحكم الشرعي

ومما يؤكد عليه أن عدم ورود نص أو إجماع أو قياس في مسألة لا يترتب عليه عدم مشروعيتها ، وإنما يقال بعدم مشروعية مسألة من مسائل النوازل في حالتين :
الأولى : ورورد نص صريح بعدم مشروعيتها
الثانية : عدم إفضاء القول بجوازها إلى مصلحة معتبرة من المصالح الخمس ( الضرورات الخمس ) أو عدم اندراجها تحت قاعدة من قواعد الشريعة


الأسس التي تقوم عليها السياسة الشرعية

أولا :
المصالح المرسلة أو الاستصلاح
تنقسم المصالح  إلى ثلاثة أقسام
النوع الأول : مصالح معتبرة وهي التي قام الدليل الشرعي على اعتبارها
وهي ثلاثة أنواع :
مصالح ضرورية : وهي التي تتوقف عليها حياة الناس الدينية أو الدنيوية
مصالح حاجية : وهي التي يحتاج إليها الناس في رفع الحرج ودفع المشقة عنهم ، ويلحق الناس بفواتها حرج وشدة
مصالح تحسينية : وهي التي لا يؤثر فواتها على حياة الناس ولا يلحقهم شدة ولا حرج ، ولكن وجوده يزيد من راحتهم

النوع الثاني : المصالح الملغاة وهي التي ورد في الشرع النهي عنها مثل التعبد لله بما لم يشرع ، كالرهبانية التي نهي عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : لا رهبانية في الإسلام

النوع الثالث : المصلحة المرسلة وهي كل مصلحة يحصل من ربط الحكم بها وبنائه عليها جلب مصلحة أو دفع مفسدة ، ولم يرد فيها دليل خاص بها
ومعنى مرسلة أي مطلقة عن دليل اعتبارها وإلغائها

ومجال العمل بالمصالح المرسلة في باب المعاملات فقط

ومن الأمثلة على المصالح المرسلة جمع عثمان للناس على مصحف واحد وتحريق ما عداه

ثانيا : سد الذرائع
والذريعة معناها الوسيلة ، وهي ماتفضي إلى المقصود
وقد قسم ابن القيم الذرائع إلى أربعة أقسام :
الأول : ما أفضى إلى مفسدة كالزنا المفضي لاختلاط الأنساب
الثاني : ما أفضى إلى مباح ولكن يقصد به الوصول إلى مفسدة كالتحليل ( تزوج امرأة بهدف تحليلها لمن طلقها طلاقا بائنا )
الثالث : ما أفضى إلى مباح لم يقصد به التوصل إلى مفسدة ، ولكنه يفضي إليها غالبا كسب آلهة المشركين
الرابع : ما أفضى إلى مباح ولكنه قد يفضي إلى مفسدة ، ومصلحته أرجح من مفسدته ، مثل النظر إلى المخطوبة

والذي يظهر باستقراء الأدلة أن الشريعة سدت الذريعة في القسم الأول والثالث
ولم تمنع منها في القسم الرابع
أما القسم الثاني فمحل اختلاف واجتهاد بين العلماء

ثالثا : العرف والمراد به ما اعتاده جمهور الناس وألفوه من قول أو فعل
ويمكن تقسيم الأعراف إلى ثلاثة أنواع :
العرف الصحيح : ما أقره الشارع بورود نص معتبر كتشريع وجوب الدية على العاقلة
العرف الفاسد : ما خالف النص كتعارف بعض المجتمعات على تقديم الخمور وبيعها علانية
العرف المسكوت عنه : وهو ما لم يرد نص باعتباره أو إلغائه ، وهذا هو المعتبر في السياسة الشرعية التي تبنى عليه أحكامها

وهناك تقسيم للعرف إلى قولي وفعلي
فالقولي كتعارف الناس على إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى مع أن اللفظ يشمل الاثنين
والفعلي كتعارف الناس على البيع بالتقابض والأخذ والإعطاء دون كلام

ومن الأدلة على حجية العرف قوله سبحانه ( خذ العفو وأمر بالعرف )
وقوله صلى الله عليه وسلم لهند لما شكت شح زوجها : خذي أنت وبنيك ما يكفيك بالمعروف


رابعا : الاستحسان
وهو كما يعرفه الكرخي : العدول في مسألة عن مثل ماحكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى
ومن الأمثلة على الاستحسان إباحة السلم مع أن صورته من صور العقود الباطلة وعدل عن الحكم بالبطلان للجواز استحسانا ، مراعاة لحاجة الناس ، وورد فيه النص بقوله صلى الله عليه وسلم ( من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم )

تنبيهات


إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 28

البحوث والمحاضرات: 15

الزيارات: 28062