أعمال السنة السياسة الشرعية



السياسة في اللغة ساس يسوس ، ومعناها في الغالب يدور حول القيام على الشئ بما يصلحه

وقد عرف المقريزي السياسة بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال .
وهي قسمان :
سياسة عادلة وهي التي تقوم على العدل وهذه سياسة شرعية
سياسة ظالمة يترتب عليها سلب الحقوق وهذه محرمة في الشريعة

وباستقراء مانقله لنا الفقهاء المتقدمون من دراسات فقهية يمكن أن نقسم الأحكام التي تناولوها إلى قسمين :
الأول : أحكام ثابتة لا تتغير  ولا تتبدل ، والمصلحة فيها ثابتة لاتتغير ولا تتبدل
الثاني : أحكام ترتبط بمصالح الناس وأعرافهم ، وهذه قد تتغير
والفقهاء المتقدمون لا يفرقون بين هذين القسمين ، وحينما نتأمل في مصطلح السياسة الشرعية يظهر جليا أن الأحكام المرتبطة بها تدخل تحت القسم الثاني

وقد استعمل الفقهاء السياسة الشرعية في مجالات عدة ، كالنظم المالية والقضاء ونظام الحكم
ومن الأمثلة على السياسة في النظم المالية مافرضه عمر بن الخطاب من ضريبة الخراج على الأرض الزراعية التي فتحت عنوة بدلا من تقسيمها بين الغانمين الذي يظهر من قوله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى .. ) ليكون هذا الخراج موردا للدولة فيما تنفقه من أموال على أفراد المجتمع وحاجاتهم
وهذا الاجتهاد من عمر لا يعارض الظاهر من الآية ، إذ إنه فهم منها عدم الإلزام بالتقسيم ، وأن التقسيم أو تركه قائم على المصلحة التي يقدرها الحاكم .
وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر
ولم يقسم لما فتح مكة .. والسبب عدم حاجة المسلمين واكتفائهم ماليا

ومن الأمثلة على السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية اجتهاد عمر بن الخطاب حينما حكم بوقوع الطلاق بلفظ الثلاث على من نطق به بكلمة واحدة ، بغض النظر عن ادعاء المطلق أنه يريد التأكيد أو يقصد الطلقات الثلاث ..
وكان الأمر قبل اجتهاد عمر أن يؤخذ بقول المطلق ويقبل ادعاؤه ، ولما رأى عمر جرأة من الناس على الطلاق اجتهد في زجرهم عن الطلاق بالثلاث بلفظ واحد بإيقاعه عليهم
وقد ثبت في حديث ابن عباس في الصحيحين أنه قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ؟ فأمضاه عليهم .

ومن الأمثلة على السياسة في القضاء استخدام القاضي للحيل التي يستعين بها على استخراج الحق

ومن الأمثلة على السياسة في التنفيذ تهديد علي والزبير للمرأة التي نقلت كتاب حاطب بن أبي بلتعة لقريش يخبرهم بخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وعندها هدد علي المرأة إذا لم تخرج الكتاب بأن يجردها من ملابسها ..

ومن الأمثلة على السياسة في الإدارة إنشاء عمر للدواوين لضبط وتنظيم أعمال الدولة وترتيب بيت المال

ومن الأمثلة على السياسة في الحكم استحداث أبي بكر لمنصب ولي العهد


والتعريف المختار للسياسة الشرعية في الاصطلاح : فعل شئ من الحاكم لمصلحة ، فيما لم يرد فيه نص قطعي ، وفي الأمور المتغيرة بتبدل الظروف والأحوال وتغير المصلحة العامة المعتبرة



الأحكام التي تتغير بتغير الأحوال يمكن أن تقسم إلى نوعين ( وهي مجالات السياسة الشرعية ) :
النوع الأول : أحكام لم يرد فيها نص وليس عليها إجماع ، وبني القول بها بناء على مصلحة أو عرف .. فإذا تغيرت المصلحة أو العرف تغير الحكم ، كمسألة تعدد المصاحف في صدر الإسلام كان أمرا جائزا لكل من أراد كتابة شئ من القرآن .. ولما انتفت المصلحة بسبب حصول اختلاف في القراءة ، أمر عثمان بجمع الناس على مصحف واحد ، وحرق ماعداه
النوع الثاني : أحكام ثابتة في أول الأمر بنص مرتبط بعرف أو بعلة أو بتوقيت محدد ، فإذا تغير العرف أو زالت العلة أو انتهى التوقيت …. تغير الحكم
ومن الأمثلة على ذلك :
بيع الحنطة بمثلها كيلا ، وبيع الذهب والفضة بمثلهما وزنا .. والمقصود في هذا تحقيق المساواة بين الأصناف
ثم تغير الزمن وأصبح البر يباع بالوزن  لا بالكيل ، والنقود تباع بالعدد فالذهب يباع بقطعتين من نصف الدينار . وأربع قطع من ربع الدينار .. فتغير الحكم إلى الجواز على قول طائفة من الفقهاء كأبي يوسف وسموا هذا سياسة شرعية
ومن الأمثلة على ربط الحكم بعلة سهم المؤلفة قلوبهم الوارد في قوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم  .. ) فكان هذا وقت ضعف المسلمين في بداية الأمر ، فلما قوي المسلمون منع عمر هذا السهم ، فلم ير الحاجة قائمة للتأليف
ومن الأمثلة على ربط الحكم بحال معينة ، المنع من إمساك الإبل الضالة وذلك لقول النبي صلي الله عليه وسلم " ما لك ولها .. دعها فإن معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها " وهذا حينما كانت مراقبة الله حاضرة لدى الناس ، فلما رأى عثمان تغير حال الناس ، وجرأة البعض على مال  الغير أمر عثمان بإمساكها وتعريفها حتى يأتي صاحبها .. أو تباع ويحفظ ثمنها في بيت المال


موضوع السياسة الشرعية : أفعال المكلفين وشؤونهم التي لم يرد بحكمها نص أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل

مباحث علم السياسة الشرعية
١ ‫.‬ الوقائع المتعلقة بعلاقة الحكام بالمحكومين ، وذلك بتحديد سلطة الحاكم وبيان حقوقه وواجباته … وهي التي يطلق عليها نظام الحكم في الإسلام ، أو القانون الدستوري
٢ ‫.‬ الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب ، وهي التي يطلق عليها السياسة الخارجية في الإسلام أو القانون الدولي العام
٣ ‫.‬ الوقائع المتعلقة بالضرائب وجباية الأموال .. موارد الدولة ومصروفاتها ، ويطلق عليها السياسة المالية في الإسلام أو علم المالية
٤ ‫.‬ الوقائع المتعلقة بتداول المال وكيفية استثماره ، وهي التي يطلق عليها النظام الاقتصادي في الإسلام أو علم الاقتصاد
٥ ‫.‬ الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية وهي التي يطلق عليها علم القضاء في الإسلام أو قانون المرافعات


العلاقة بين الفقه والسياسة الشرعية
    
تعريف الفقه : العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية وما يرجع إلى تلك الأدلة من المصالح المرسلة وغيرها
فالأدلة التفصيلية : الكتاب والسنة والإجماع والقياس
والأدلة التي ترجع إليها : المصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والاستحسان
فالنتيجة بناء على ذلك أن السياسة الشرعية جزء من الفقه

وأسباب إفراد السياسة الشرعية ببحث مستقل عدة منها
١ ‫.‬ أن مسار أحكام السياسة الشرعية متميز عن غيرها من الأحكام إذ أنها مرتبطة بمراعاة المصلحة في استنباط أحكامها
٢ ‫.‬ تيسير دراستها والاطلاع عليها من قبل الباحثين والمهتمين ، خاصة مع إغفال بعض الفقهاء لهذا النوع من الأحكام

شروط العمل بالسياسة الشرعية
أولا : أن يكون الحكم متوافقا مع أحكام الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد ، أو معتمدا على أصل من أصولها العامة كسد الذرائع ورفع الحرج والعدالة
ثانيا : ألا يخالف الحكم دليلا من الأدلة التفصيلية الثابتة ، التي لم تؤقت بوقت أو تربط بعلة


الضرورات الخمس : حفظ الدين ، وحفظ النفس ، وحفظ العقل ، وحفظ النسل ، وحفظ المال
ويزيد بعضهم مقصدا سادسا من مقاصد الشريعة وهو حفظ العرض

تساؤل : كيف توصف أحكام السياسة بأنها شرعية مع عدم ورود نص خاص بها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ؟
والجواب أن الأصول والقواعد التي تقوم عليها تلك  الأحكام اعتبرها الشارع حجة ، واعترف بها كأساس لصحة الحكم ، يقول ابن القيم : قاعدة سد الذرائع ثبت اعتبارها بتسعة وتسعين وجها من الكتاب والسنة

تنبيهات


إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 28

البحوث والمحاضرات: 15

الزيارات: 28073