المثالية


يمكنك تحميل الكتاب من خلال الرابط الموجود في الصفحة الرئيسية


المقدمة


الحمـــــد لله ، والصـــلاة والســــلام على رســـــــــول الله ، وعــلى آلــــه وصحبه ومن والاه .. وبعد :

فإن الراصد لما يجري محليا وعالميا يلحظ تزايدا في وتيرة العنف والصراع ، وسيطرة النبرة الحادة في العلاقة بين الأمم ، وحتى بين أفراد المجتمع الواحد المختلفين في الديانة أو التوجه .

وفي هذا الإطار نمى من الأعمال والتصرفات ما يغذي مشاعر الكراهيــــة والعداء بين الناس – بما يتجاوز المشروع في ذلك – ؛ فأتت معبرة عن مقدار النقمة والرفض الذي يعيشونه .

والطرح في هذه الصفحات حول ما يتعلق بدائرة من الأمة الإسلامية أخذت بمسلك الحدة ، وتبنت العنف فكرا وتطبيقا مع من يختلفون معهم دينا وعقيدة ، وخصوصا أهل الكتاب من الغربيين ، وصاغت تلك الفئة مسيرتها في إطار الجهاد الشرعي ، وقعَّدت ما تقوم به من أعمال عنف وتصفيــــة وإراقة للدماء من خلال فهمها لبعض النصوص الشرعية .

ولم تقف المسيرة عند هذا بل تجاوزته لتشمل بعض بني جلدتهم ممن يشتركون معهم في الدين ، ولكنهم – حسب نظرة تلك الفئة – انحرفوا وارتدوا ، نظرا لما تلبسوا به من أعمال تتمثل في حماية الكافر الأجنبي ، أو دعم بعض الأنظمة التي لا تحكم بشرع الله ...

وقد أسهم عدد من العلماء وطلبة العلم في علاج هذه الظاهرة بعــــــدد من الرسائل والمؤلفات ، تحذيرا من مسالك الغلو والتطرف ، وتفنيدا لشبهات تطرح في هذا الباب ، وتقعيدا للعلاقة مع غير المسلمين ..

والمتأمـــــل بدقة وإنصاف لهذه القضية الحساسة يلحظ أمرين مهمين :

أولهما : تتابع حركات العنف وموجات التطرف في الظهور ، وقدرة تلك الحركات على تجنيد أفراد جدد في صفوفها ، مع الجهود التي تبذل في تصفيتهم أو تجميد أنشطتهم .

والثاني : وجود تعاطف ولو بشكل جزئي من بعض أفراد المجتمع مع المنتمين لتلك التوجهات .

ويرجع هذا إلى عدد من العوامل ومن أبرزها :

ربط أعمالهم الدموية بمفاهيم الجهاد الشرعي ، والموقف من الكفار ، وإخراج اليهود والنصارى من جزيــــرة العرب ، والانتقام من الظالم والانتصار للمظلوم ، ورفع راية التصحيح للانحــــرافات القائمة في المجتمع الذي يعيشون فيه .

والذي يظهر لي – بناء على ما سبق – أن الحاجة قائمة لبيان موضوع يرتبط بأصل الانحراف في هذا الباب ، والذي أُتي من قبلـــه أولئك الشباب ، وتأثر بسببه أيضاً من تأثر من أفراد المجتمع ، وهو خلل في الفهم والتصور ، وفي بناء الأفكار والقناعات تجاه التطبيق العملي للإسلام ، وتحقيق العبودية لله سبحانه ، وإقامة دينه في الأرض ، ويتمثل هذا في غلبة النزعة المثالية لذلك التطبيق في أذهان دائرة كبيرة من أبناء المجتمع الإسلامي .

فأصبح التطلع الذي يحدوهم في مسيرتهم وحياتهم ترقب قيام الأنموذج المثالي الذي يطبق الإسلام ، كما جاء به محمد ε وتتلاشى بظهوره سائر مظاهر الانحراف ، ولم يقف الأمر عند كون هذا تطلعا وترقبا ذهنيا ؛ بل أصبحت له برامج عملية وخطط حالمة ، خرج من رحمها تلك الموجات العنيفة .

ولأهمية المسألة وضرورة بيان التفاوت بين المفهوم الكامل للإسلام الذي نزل وحيا من عند الله ، وتشريعا متكاملا ، وبين الالتزام الواقعي بالإسلام كما حـصـــــل منذ بعث النبي ε ، ثم بعد ذلك في فترة الخلافة الراشدة ، وبعدها في الدول الإسلامية التي تتابعت في قيادة الأمة الإسلامية وسبر مسيرتها ؛ جاءت هذه المشاركة المتواضعة ، التي آمل أن تحقق ما أتطلع إليه من تصور دقيق لمفهوم المثالية في الاستقامة ، وبيان الجوانب المتعلقة بالطموح الجامح الذي لا يدعمه الواقع ، وأسباب وجوده ، والآثار السلبية لذلك ، مع محاولة إيراد عدد من المسائل المهمة ، التي قد تسهم في علاج الفهم الخاطيء في هذا الموضوع المهم .




تنبيهات


إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 30

البحوث والمحاضرات: 15

الزيارات: 30883